النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11371 الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 3 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

اثنان على واحد

رابط مختصر
العدد 11292 الإثنين 9 مارس 2020 الموافق 14 رجب 1441

  • هكذا كنَّا، وهكذا أصبحنا، وهكذا وافق المصريون على فترات ملء سد «أبي أحمد»

 

قبل 24 ساعة فقط من ساعة الصفر في واشنطن، توقفت أغنية السيدة أم كلثوم «أ غدًا ألقاك» عن الكلام المباح، ليس لأنها فارقت الحياة، وليس لأن كاتبها الشاعر السوداني الكبير الهادي آدم لم يُعاتب الأكاذيب حول روايات عشقه لزميلته في الجامعة وفارق أيضًا الحياة، لكنها المقاطعة لتوقيع اتفاق نهائي بالأحرف الأولى حول سد النهضة في العمق الأفريقي الرهيب.

قطعت الفضائيات والإذاعات إرسالها، وقامت بتشغيل مارشات عسكرية، وأناشيد حماسية، وتواشيح دينية، الناس خلف المذياع، وأمام الشاشات، وعلى شبكات التواصل ينتظرون الخبر اليقين، يا ترى يا هل ترى؟ ما الذي حدث، ولماذا رفضت سيدة الغناء، الغناء هذه المرة؟ ولماذا لم يحضر الهادي آدم حفل أغنيته الخالدة؟ 

مجرد خبر مقتضب على شريط الأخبار يحمل اعتذارًا سودانيًا أثيوبيًا عن الحضور إلى قمة سد النهضة في العاصمة الأمريكية، وفجأة ومن دون مقدمات جاء الاعتذار للجانب الأمريكي وحده، وربما للبنك الدولي «أحد الرعاة» أيضًا. 

المصريون ذهبوا، قبل أن يعودوا بخفي حُنين، والسودانيون والأثيوبيون تحالفوا، اتفقوا على كلمة رجل واحد، على رجل آخر واحد، قرروا الانسحاب من التوقيع النهائي للاتفاق، بعد أن دخلا وعلى قلب رجل واحد أيضًا هذه المفاوضات معًا، سوفوا معًا، وكانوا يدًا واحدة معًا، وكذبوا على المصريين معًا، يتفقون على قرار ثلاثي، ثم نجد الاستخفاف وهو يبلغ مداه، والمدى وهو يفقد رؤاه، عندما يخرج الجانبان الجنوبيان بتصريحات تتناقض تمامًا مع تصريحات الجانب المصري، المصريون يؤكدون: اتفقنا، وأشقاؤهم في الجنوب يقولون: لم نتفق.

المصريون يبشرون شعبهم بالماء والبنون والتين والزيتون، والأثيوبيون وذووهم في أثيوبيا يضربون بيد من حديد ويشعلون نيران الحماسة الوطنية وكأنهم يمهدون لحرب من أجل السد «المنيع».

المصريون يطلبون صديق محايد، والأخوة على الشريط الآخر يوافقون، المصريون يصدقون لعبة القط والفأر، وكأنها حقيقة ووعد حق، في حين أن الجدية لم تكن في نية لا الجانب الأثيوبي، ولا عند الشقيق السوداني.

ربما تكون تلك هي المرة الأولى التي يظهر فيها الوجه الآخر لبني جلدتنا في الجنوب، كانوا على المدى من التاريخ، وعلى المدار من الأفلاك السماوية يدًا بيد مع المصريين، يتحالفون معهم، ويختلفون ويغضبون معهم، ويقاتلون معهم.

أمنهم القومي واحد، ومشاعرهم العربية المتفجرة متسقة مع شعاراتهم، والصديق الذي لم يخذل صاحبه وقت الضيق كان متجنيًا عليه عند «السد». 

السودان ومصر «حتة واحدة» حتى عندما تختلفان أو تغضبان وحتى لو طفح الكيل أحيانًا من الشقيق السوداني ليقولها بالفم الملآن: مصر والسودان «مليون حتة».

ذلك كان ديدننا، وذلك كان عهدنا، وذلك كان ميراثنا الذي توارثناه أبًا عن جد مع السودان العظيم.

الإذاعة المصرية قررت قطع الإرسال على أغنية أغدًا ألقاك، لأنها كانت منتجًا مصريًا سودانيًا خالدًا، ولأنها كانت تَعبُر في أبياتها كالتماسيح النيلية دوامات مائية غريقة، وتيارات هوائية قاتلة، لكنها كانت تُوحد الوجدان عندما تشدو سيدة الغناء العربي من كلمات أمير شعراء الأغنية الفصحى، لم يتصور مصري محايد أن يتآمر أو يتفق أو يتحالف العم أو الخال مع لص يحاول سرقة الحياة من أبناء الشمال، ولم يتصور أكثر المتفائلين تشاؤمًا بأن الحق المصري في مياه النيل آن له أن يُشترى بالمال، هي الدولة التي تهبط الأمطار في أراضيها، فتغرق الوديان وتنعش الأبدان، وتسقي المارة والجيران. 

هكذا كنَّا، وهكذا أصبحنا، وهكذا وافق المصريون على فترات ملء سد «أبي أحمد»، وقعوا بالأحرف الأولى على الاختراع الأمريكي المشفوع بضمانات قوية من البنك الدولي، لكن حُمرة الوجهين، وخجل الصديقين، وتآمر الحليفين، أطل بتصريحات مشتركة في منتهى الشراسة ضد مصر، لحس الشركاء في النهر الخالد كلامهم، مسحوا بـ«أستيكة» كل الوعود التي قطعوها على أنفسهم، ولم يتركوا للمصريين ولا حتى للأمريكيين، خيارًا آخر غير غلق باب التفاوض ربما إلى أبد الآبدين.

الطريق الآخر موجع، مُلبد بسحابات داكنة قادمة من أبعد التصورات، بزلازل مباغتة لا تحمل سوى بشاعة الخيارات، وشريان حياة يحاول «الثعلبان» قطعه على المصريين، وعلى المصريين أن يتمخضوا هذه المرة فلا يلدون مزيدًا من الفئران الفصيحة التي لا تقول شيئًا أبدًا.

بالتأكيد القضية لن تموت، فأثيوبيا تمضي في الاتجاه التصعيدي وتقرر بلا رجعة البدء في ملء سدها «العظيم» في شهر يونيو أو يوليو القادمين، ومصر ترى أنه لابد من اتفاق مع دول المصب «مصر والسودان سابقًا» حول المواعيد المناسبة للملء، خصوصًا أثناء فترات الجفاف، ثم الجفاف الممتد، ثم الجفاف الكبير.

أثيوبيا في ثقافة شعبها، وفي كواليس منتدياتها، وتحت أقدم نوابها يدقون طبول الحرب مع مصر، تصريحات استفزازية، توعد في الأرض والبحر والجو، وفي أحسن الأحوال بيع نهر النيل للمصريين بأسعار «تشجيعية».

أما المصريون فلم يكشفوا بعد لـ«واشنطن» عن وجهتهم القادمة، ولم يتحرشوا باقتراحات قد تضعهم وجهًا لوجه أمام الخيار الأصعب في القضية، نكون أو لا نكون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها