النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11375 السبت 30 مايو 2020 الموافق 7 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:25AM
  • العشاء
    7:55PM

كتاب الايام

اليوتوبيا عبر التاريخ

رابط مختصر
العدد 11290 السبت 7 مارس 2020 الموافق 12 رجب 1441

رغم مضي أكثر من أربعة قرون على مصطلح (اليوتوبيا) الذي استخدمه توماس مور في القرن السادس عشر (وهو يعني المجتمع المثالي السعيد)، إلا أن الكلمة ظلت مستخدمة على نطاق واسع وبكثرة في عصرنا الحديث، خصوصًا في الفلسفة والفكر والأدب، وهي لم تبلَ أو تستبدل أو تموت، وفي الأغلب ستظل مستخدمة قرونا أخرى قادمة، لسبب بسيط جدًا، ذلك أن اليوتوبيا صعبة التحقق، وربما مستحيلة بالصورة التي رسمها الفلاسفة والمفكرون. 

صعوبة تحقيقها في الحياة وفي حيز الواقع سيجعل منها هدفًا متجددًا، لأن البشر، في كل زمان ومكان، يحتاجون إلى ذلك المجتمع الذي يحقق لهم السعادة والاستقرار، فما هي اليوتوبيا؟ وكيف رآها الفلاسفة الذين أولوها أهمية خاصة وكبيرة عبر العصور؟ 

استُخدمت الكلمة لأول مرة في كتاب الفيلسوف توماس مور الذي حمل نفس الاسم: (يوتوبيا) في العام 1515 ميلادية. ومنذ ذلك الوقت ترددت أصداء هذه الكلمة ولم تغب عن بال أجيال متتابعة، وإن تعددت واختلفت أوصافها وخصالها ومعانيها وتفسيراتها، بين فيلسوف وآخر، وكاتب وآخر، فالكلمة قابلة لتفسيرات وتأويلات عدة، فأسموها المجتمع المثالي أوالمدينة الفاضلة أو النموذج الأفضل والأنقى والأرقى للمجتمعات، أو المجتمع السعيد. 

وكان الفيلسوف الإغريقي إفلاطون (347-427) هو أول من تحدث عن هذا المجتمع في كتابه (جمهورية أفلاطون)، هذا الكتاب الشهير الذي حدد فيه أفلاطون أبوالفلاسفة سمات المجتمع المثالي الفاضل. أفلاطون رأى في جمهوريته أن هذه المدينة السعيدة يجب أن يحكمها حاكم فاضل عادل ومنصف وحكيم، وأن الفلاسفة بحكم إطلاعهم الواسع في شؤون الحياة وقضايا المجتمع، ومعارفهم الواسعة، يستطيعون إدارة هذه الجمهورية ونشر العدل فيها، ورفع الظلم والحيف عن كواهل أهلها، وإنصاف المواطنين والمقيمين والزائرين للمدينة، حسب توصيفه. إلا أن أفلاطون وضع مفاهيم وتعريفات وصيغًا للمدينة الفاضلة لا تصلح كلها لزماننا، ولا تخلو من العيوب والمثالب والسقطات، فهو تحدث عن جمهوريته في فترة مبكرة من التاريخ، كانت فيه المعرفة محدودة وخبرة البشر محدودة، ولم تتصف بالعمق والشمولية التي وصلت إليه المعارف في العصور الحديثة. أفلاطون على سبيل المثال اقتصر تطبيق فكرته في مدينة أثينا فقط، وهو لم يمنع نظام العبودية الذي كان سائدًا في ذلك الوقت، كما اقترح أن يتخلص المجتمع من الأطفال المولودين بعاهات بتركهم يموتون في العراء، لذلك فالجمهورية الأفلاطونية إذن جاءت ناقصة للكثير من مقومات المجتمع الفاضل العادل المنصف كما ورد عند فلاسفة العصر الحديث بشكل أكثر وضوحًا، ذلك يبيّن ويؤكد أن صيغة اليوتوبيا لا تظل على وتيرة واحدة ثابته عبر الزمن، وإنما هي متجددة، من الممكن أن يضيف لها البشر من حصاد خبراتهم الجديدة في العصور المختلفة، وبناءً على التجارب والقضايا التي تستجد من عصر إلى آخر.

 إلا أن هناك تفسيرًا ثابتًا لليوتوبيا، فهي في مفهومها العام، الصيغة الأفضل والأنسب لتحقيق السعادة للجميع. لا شك أن حلم المدينة الفاضلة قديم قدم المجتمعات البشرية في الأرض، فهي تولدت وظهرت في عصور شهدت نموًا وحضارة ودولاً، حيث بدأت الحياة في المدن والبلدان تدخل حيز التناقضات الاجتماعية والفوارق الطبقية وانتشار الفقر واستبداد الدول والحكام، وغياب العدالة والمساواة وانتشارالحكم المطلق. 

كل ذلك دفع الناس للبحث عن صيغة أفضل، تتلاشى فيها الشرور والتناقضات التي ستؤدي إلى صراع وفوضى وحروب، فهي إذن سعيٌ أخلاقيٌ بالدرجة الأولى، حمل مسؤوليته الفلاسفة، هدفه إيجاد الحلول الأنسب للعيش الكريم. وسنجد من ذلك أن المجتمع الذي يخفف من غلواء وشرور غياب العدالة الاجتماعية في عصرنا الحالي (إذا أردنا الاقتراب من اليوتوبيا)، يستلزم بناءً ناجحًا محكمًا للعدالة السياسية والاجتماعية للوصول إلى المجتمع الفاضل السعيد. ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية في غياب العدالة السياسية، التي تتمثل في النظام الديمقراطي النموذجي، فغياب الديمقراطية (العدالة السياسية) يعني ضمنًا (كما هو في حيز الواقع) وجود نظام طبقي تهيمن عليه طبقة أو فئة تجيِّر القوانين والبلاد لخدمة مصالحها أولاً لا لخدمة مصالح المجتمع. 

وبالنتيجة، كما نرى من أحوال العالم اليوم، لن يقترب البشر من الحياة الفاضلة التي تختفي فيها كل الشرور التي ذكرناها، وسيبقى ذلك الهدف حلمًا (يوتوبيا) كما كان عبر العصور. يُذكر أن عدة فلاسفة صوّروا هذه المدينة الفاضلة كما يرونها غير أفلاطون وتوماس مور، إذ تعرض الفيلسوف أبونصر محمد الفارابي (874-950)، قبل توماس مور بعدة قرون في كتاب (الدولة الفاضلة)، وسانت أوغسطين في كتاب (مدينة الرب)، وكامبانيلا في كتاب (مدينة الشمس) في العام 1623، وفرنسيس بيكون في كتاب (أتلانتس الجديدة) في القرن السابع عشر الميلادي في العام 1627. 

وبعد قرون طويلة منذ أن بدأت اليوتوبيا تظهر في مؤلفات متعددة، إلا أنها ما زالت بعيدة المنال، والنموذج الغربي المتقدم للمجتمعات في عصرنا الحالي في ظل الليبرالية والعولمة يشكو من تناقضات طبقية حادة بعد انحسار الطبقات الوسطى في الغرب، وما زالت الأغلبية في العالم بعيدة عن الحياة السعيدة التي يحلم بها البشر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها