النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

عجز المعاجم أمام بعض الكلمات

رابط مختصر
العدد 11287 الأربعاء 4 مارس 2020 الموافق 9 رجب 1441

  • كيف يمكن لإنسان أن يستوعب المعنى الواقعي والوقع الفعلي لكلمة «ألم»

 

كثيرة هي الكلمات في معاجم اللغات، وبعض من تلك الكلمات هي التي لا يفي تعريفها بالوعي الذهني لمعانيها، فاستيعاب المعنى غير الشعور بالمعنى، وفقه الكلمات غير أثر الكلمات، فالكلمات بذاتها و توزيع حروفها ليست سوى صور مجردة من أسماء وأوصاف وأفعال، وهذا هو الذي تعلمناه في المدارس، وظننا أننا تعلمنا طبيعة الكلمات وتفقهنا في معانيها، وكنا راضين وفخورين بعلم (ناقص) تعلمناه، وبه تسلقنا سلم العلم في اللغة، واللغة هي أس الحضارة، وهي تربط الإنسان بالإنسان بشبكة معقدة من الرسوم الهجائية والمعاني. كثيرة هي تلك الكلمات التي يستحيل استيعابها استيعابًا وافيًا، استيعابًا وجدانيًا دون الإحساس بأثر تلك الكلمات، ملكة الفكر تساهم في فهم الكلمات وهي عارية من الأثر، بينما ملكة الشعور بأثر الكلمات هي التي تكسو عظم الكلمات لحمها وشحمها وتستخلص من الكلمات رائحتها وطعمها، وتُقَدِّمَها في كامل هيئتها وكمال معانيها. عندما يزور شخصٌ مريضًا في المستشفى ويسأله عن حاله ومرضه، ويجيبه المريض، فإن استيعاب كلمة «المرض» لا يتساوى بين السائل والمجيب، فالسائل يعي الكلمة مجردة، صورة بين صور الكلمات، مبديًا شيئًا من القلق على المريض، بينما المريض يعي الكلمة بوقعها وواقعيتها، الكلمة بوقعها وواقعيتها هي نبض الحياة في الكلمة، بينما الكلمة بمعناها المجرد ليس سوى تمثال لا حياة فيه. كيف يمكن لإنسان أن يستوعب المعنى الواقعي والوقع الفعلي لكلمة «ألم» إن لم يكن قط قد شعر بالألم؟ كذلك الأمر بالنسبة لكلمة «جوع»، وهي كلمة يرتبط وقعها بكلمة «ألم» و«غضب» و«حسد» و«حقد» و«غيض» و«قهر»، وغيرها من الكلمات التي تحمل «مفاهيم سلبية»، كل هذه الكلمات المرتبطة بالجوع لا يستوعبها من لم يشعر قط بالجوع، بينما الجائع يعيش آثارها وفعلها ويعاني من نتائجها، فهو الأدرى بكامل معناها. الفقيه في علم اللغة، إن لم يكن قط قد قرصه الجوع، فإن استيعابه لكلمة «جوع» لا يرقى إلى مستوى استيعاب الجائع الجاهل، أو حتى الحيوان الجائع !!! وهذا يفتح نافذة على موضوع آخر أكثر تعقيدًا، وهو الاستيعاب بملكة الفطرة، عند الأحياء جميعها، بمقتضى ضرورات الحياة وقوانين الطبيعة، وهو منعطف لا يسعنا الدخول فيه لأنه موضوع بحثي واسع عميق قائم بذاته... 

قصة الإنسان، وهي قصة حضارة نعرف بعضًا من مولدها ولا يمكننا معرفة مداها ومنتهاها، مخزونة في ذاكرة العقل البشري وفي سجلات التاريخ، وهي مرسومة بصور الكلمات وفي نحت الصخور، قصة ضخمة وهي في تنام مستمر مع تعاقب عقارب الليل والنهار، وهي بعظمتها وضخامتها جملة من قصص تتدرج من بسيطة إلى معقدة، ومن قصيرة لا تعدو بضع كلمات وطويلة تحملها الكتب والمجلدات، ورُبَّ قصة قصيرة بسيطة تحمل كلماتها كمال المعاني ما لا يحمله كتاب. ومن القصص القصيرة البسيطة هي تلك التي تحكي علاقة عابرة ببن إنسان وإنسان بحبكة السؤال والجواب، خاصة إذا كان السائل في وادٍ غير وادي المجيب، وتتعارك معاني الكلمات بينهما، وتدخل القصة بالسؤال من باب وتخرج بالجواب من باب آخر.

وعندنا بين القصص قصة، هي قصة طفلة جائعة وأحد المارة التقى بها وهي تجوب الشارع، والقصة كلها لا تعدو حدود سؤال واحد وجواب واحد، وبين السؤال والجواب ذاك البون الشاسع الذي ملأ الفراغ بينهما بمعان تُحَمِّلُ اللغة وزر معانيها والعلاقات بين الناس وزر مخازيها. 

طفلة شبه عارية تسترها أسمال بالية هي بالمجاز الخجول فستان، وقدماها لم تكونا حافية بل عارية، جسمها هزيل يئن بصمت من الجوع، تجوب الشارع ذهابًا وإيابًا، كانت تجوب الشارع لا تلوي إلا على شيء واحد، وعيونها تائهة لا تريد أن ترى أي شيء غير ذاك الشيء الواحد، ومعدتها هي التي كانت حاضرة واعية في كامل كيانها البيولوجي والفسيولوجي والسيكولوجي والإنساني، وهي الناطقة تردد كلمة واحدة وحيدة تكررها بإصرار وثبات دون أدنى كلل، وكأنها ترتل آية من الذكر الحكيم، وهي «الخبز»، كانت ترتل «آية الخبز». 

استوقفها أحد المارة، صحفي أو باحث ميداني أو مجرد إنسان دغدغه الفضول...

سألها: «أنت مسلمة أو مسيحية؟»...

(سؤال وقح ومستفز، ولكن الطفلة، من موقع وعي المعاناة التي فيها أجابت، وهي تبلع على مضض ضيم الحماقة وجرح الاستفزاز، وابتسامة دهشة غاضبة ارتسمت على وجهها)... 

قالت: «أنا جائعة»!!! 

ولسان حالها كان شررًا من عيونها، يجيب السؤال بسؤال باسم صامت: وما شانك بديني ومذهبي؟ فديني الآن، وفي ذات الآن، هو «الخبز»، فالخبز هو دين الجائع، وتضيف شفتيها على لسان حالها ابتسامة ساخرة متهكمة، غير مستجدية ولا مستعطفة، متسائلة: أنا أتألم من طعنات الجوع وحضرتك تسألني إلى أي دين أنتمي وكأنك تحاكمني... القصة بكلها وكمالها وتباعد المرامي بين شخوصها لا تتعدى السؤال والجواب.

السؤال كان عن انتماء الطفلة إلى أية عقيدة دينية، والجواب كان عن الحالة المزرية للطفلة في واقع اجتماعي قبيح أفرزته علاقات اجتماعية غير متكافئة ولا متعادلة ولا متوازنة وبالنتيجة غير منصفة، رغم أن الجواب لم يشفِ فضول السائل، إلا أنه أعطى السائل درسًا في فقه الشعور لكلمة «الجوع» وهي تخرج بأنين من ثغر طفلة جائعة، كلمة «جوع» كانت في القاموس الذهني عند السائل، وكانت كلمة مجردة كبقية الكلمات تمر عبر الذهن مرور الطافحات (الأشياء الطافحة) على سطح مياه النهر، لا أثر ولا تأثر، ولكنه عندما سمع أنينها، من ثغر جائعة يأكلها غول الجوع، نأمل أن يكون شعوره قد تيقن بعضًا من معانيها التي تمتد من التجريد إلى التأثير... 

«الجائع» تصريف من «الجوع» وهكذا التعريف في قواعد اللغة والقواميس، ولكن يغيب منها جدلية الأثر بين الحرمان من الخبز والإنسان، وما ينتج عنهما من صفة مضافة إلى «الجائع» تتحفظ القواميس والمعاجم من ذكرها، ولكنها تنطق في بعض من الروايات الإنسانية وعلى رأسها رواية «البؤساء» للشاعر الفرنسي العظيم فيكتور هوغو الذي أسبغ على الجائع البائس صفة المعصومية التي ترقى على وتتخطى مقتضيات الحصانة وشروطها، المعصومية بواقعيتها الدنيوية وليس بلونها الغيبي. الجائع معصوم، ومعصوميته تعفيه من كل الواجبات، لأنه مجرد من أبسط الحقوق، حق الطعام من أجل البقاء، فمعصوميته، خارج ذاته، تتخطى كل التشريعات وحتى مبادئ الأخلاق، إلّا شريعة الصراع من أجل البقاء، وهذه الشريعة هي ملك يمينه الوحيد، فليس عنده ما يخسره سوى هذه الشريعة الخالدة خلود الحياة. ولإسكات صراخ الجوع الذي يزلزل ذاته قد توعز إليه شريعة الصراع من أجل البقاء إلى السرقة والقتل، أو بيع النفس إن كان المعروض للبيع يكتمل بالشراء، وهو مع كل هذه الموبقات أشرف من نبلاء التشريفات... وطالما أن حق الطعام قد حرم عليه فإن الجريمة تصبح حقًا من حقوقه، وهذه هي المعصومية المطلقة بكامل أبعادها الواقعية، والبادئ في خلق الجوع أظلم من جرم الجائع... وتمتد هذه المعصومية إلى مدى العلاقة بين الجائع والدين، فهو بذاته وفي ذاته ولذاته (أبعاد سيكولوجية في الفلسفة الوجودية) معفي من أي دين طالما أن «الخبز» هو هدفه الأول والأولى والأبدى فيما تبقى له من هواء التنفس في الحياة. فهو أعجز من أن يطيعه عقله في التفكير في شيء غير الخبز ومن أن تطاوعه أطرافه على السجود والركوع وطول الوقوف، وجوعه صوم أمض وأشد من صوم العبادات، وهو صوم الليل والنهار، صوم من شروق إلى شروق ومن غروب إلى غروب، وفتات الخبز إن أتت فهي في لحظة من ساعات اليوم تأبى على الجائع الوعي بكنه الوقت، والجوع يلتهم فتات الخبز قبل أن يشم الجائع رائحة الخبز، وهنا تكتمل المعاني للكلمات، وحتى الخبز معناه مختلف بين الجائع والشبعان، فكيف بمعاني «الجوع» و«الألم»... إذا كان التائه يبحث عن إله يعبده، فإن الجائع يبحث عن خبز يأكله!!! فأين معاجم اللغة من كل هذه المعاني؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها