النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11692 الإثنين 12 ابريل 2021 الموافق 30 شعبان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:57AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:59PM
  • العشاء
    7:29PM

كتاب الايام

الاتحــــــاد الحـــــــــلم

رابط مختصر
العدد 11286 الثلاثاء 3 مارس 2020 الموافق 8 رجب 1441

  • ولادة المجلس أكبر إنجاز سياسي واقتصادي عربي ضمَّ أغنى الدول العربية في منظومة واحدة

 

كان – ولا يزال – مجلس التعاون هو هاجسي الأول والأخير، فهو الذي عشتُ ولادته وكواليس اجتماعاته التحضيرية لحظة بلحظة، وشهدتُ إدراك أصحاب الجلالة والسمو قادة دوله لحجم المسؤولية التاريخية والتحديات والمخاطر التي تواجههم آنذاك والتي استدعت لتأسيس هذا الكيان الوحدوي بعد اجتماعات مكثفة وطويلة ومعقّدة، فوُلد مجلس التعاون بتوقيع القادة المؤسسين على نظامه الأساسي في القمة الخليجية الأولى التي عُقدت في مدينة أبوظبي في (مايو 1981م)، واختيار الرياض مقرًا له، والدبلوماسي الكويتي عبدالله يعقوب بشارة أمينًا عامًا.

فكانت ولادة المجلس أكبر إنجاز سياسي واقتصادي عربي ضمَّ أغنى الدول العربية في منظومة واحدة، مما أدى إلى إحداث تغيير واضح في معادلة التوازنات والتكتلات السياسية العربية والتأثير على القرار العربي على الساحة العربية والدولية وتوجيهه بما يخدم مصالح دول مجلس التعاون، حتى تعرَّضت هذه المنظومة لأخطر تحدٍّ واجهها على الإطلاق وهو الأزمة القطرية التي تفجَّرت في (5 يونيو 2017م)، والتي بسببها تعطّل الهدف الأسمى الذي سعى القادة المؤسسون لتحقيقه على مدى عقود، فانتقلت العلاقات الخليجية الأخوية من مرحلة الخلاف المستتر بالابتسامات والمجاملات إلى مرحلة القطيعة المكشوفة، وهو الأمر الذي كان بعيدًا كل البعد عن التصوّر والخيال.

وتوالت الأحداث المؤسفة حتى خاب الأمل في إقامة (الاتحاد الخليجي) الذي كان من المؤمَّل أن يقف بحزم وقوة أمام كافة التهديدات والأخطار التي تواجه دول الخليج بعد تداعيات الربيع العربي وما سبَّبه من دم ودمار وانهيار كامل لعدد من الأنظمة العربية.

فلا تغيب عن ذاكرتي لحظة الذهول التام التي أصابت بعض الوفود الخليجية عندما عَرَض المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في القمة الخليجية (32) التي عُقدت في الرياض في (ديسمبر 2011م) اقتراحه بانتقال مجلس التعاون من (مرحلة التعاون) إلى (مرحلة الاتحاد)، وتجاوب معه صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة تجاوبًا تامًا من خلال خطاب جلالته الذي ألقاه في الجلسة المسائية للقمة وأعلن فيه بأن البحرين تدعم وتؤيد المقترح السعودي وبأن (الاتحاد الخليجي) يتماشى والهدف الأساسي من قيام مجلس التعاون.

وعلى إثر ذلك الموقف وتفاديًا للمأزق الدبلوماسي الذي خيَّم على قاعة المؤتمر رأت بعض الدول تشكيل هيئة متخصصة تضمّ ثلاثة أعضاء من كل دولة تُوكل إليها مهمة دراسة اقتراح خادم الحرمين الشريفين من كل جوانبه في ضوء الآراء التي تم تبادلها بين القادة خلال القمة، على أن قدم الهيئة رأيها في المحاور الآتية:

1. الأسباب والظروف الداعية لتحويل المجلس من (مجلس تعاون الخليجي) إلى (اتحاد خليجي).

2. الإمكانات والمكاسب والفرص التي تدعم قيام الاتحاد الخليجي.

3. آلية وإمكانية تجاوز القيود والتحديات التي تواجه قيام الاتحاد كالسيادة والبيروقراطية وغيرها.

4. اقتراح الصيغة الملائمة للحالة الخليجية في ظل ظروف دول المجلس ومصالحها.

5. اقتراح آليات ومراحل الوصول للصيغة المقبولة لقيام الاتحاد مع التركيز على أولويات كل مرحلة وأهدافها.

6. المواقف الدولية المحتملة من قيام الاتحاد الخليجي.

لقد عشتُ تفاصيل عمل هذه الهيئة لحظة بلحظة من موقع عملي وكيلاً لوزارة الخارجية البحرينية للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون، فبعد عقد اجتماعين فقط للهيئة المعنيّة بدراسة الاقتراح، وبعد تداول محاور عملها، وبحث الاقتراحات والتساؤلات حول موضوعها الأساس، تيقنتُ تمام اليقين بأن (الاتحاد الخليجي) سيظل حلمًا لن يتجاوز حدود الخيال للأسباب الآتية:

1. تغلّب المصالح الخاصة والآنية لبعض الأطراف على المصلحة الخليجية العامة، وإقرار هذه الأطراف بأن علاقاتها ومصالحها الذاتية ستبقى أهم من العمل الجماعي المشترك!

2. رأي بعض الأطراف بالتريث في استكمال المواطنة الخليجية الكاملة (كالسوق الخليجية المشتركة والوحدة النقدية والجواز الخليجي الموحَّد ومشروع الربط المائي...) وغيرها من المشاريع التنموية التي تنصب جميعها في تعزيز الخطوات الوحدوية بين دول المجلس للوصول إلى الوحدة الاقتصادية بما يعزز منطقة مجلس التعاون كمركز مالي واستثماري واقتصادي عالمي!

3. رأي دول أخرى – خارج منظومة مجلس التعاون – بأن عدد من دول الخليج بأنظمتها القائمة إنما هي دول رجعية لا قبول لها في النظام العالمي الجديد الذي تحوَّل إلى الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، وذلك دون اعتبار للتاريخ الطويل لدول المجلس وإسهاماتها المشهودة من أجل قيام النظام الدولي منذ بدايات تأسيسه في سان فرانسيسكو بعد نهاية الحرب العالمية الثانية! فأصبح هناك من يقرِّر مصير أنظمة دول مجلس التعاون في ضوء مصالحه الضيقة وتطلعاته الخاصة ورغباته الانتقامية!

فكيف للحلم الجميل أن يجد له موضع قدم على أرض الواقع في ظل تلك النوايا الخبيثة والمؤامرات المدمِّرة؟

إن التباين الشاسع للآراء بين دول مجلس التعاون حول الاتحاد ومفهومه وصيغته كونه تطورًا يتطلَّب التروي والتدرج بتطبيقه على مراحل متأنية أسوةً بالتجارب الاتحادية الناجحة على المستوى العالمي كالاتحاد الأوروبي، وتقاطع الأفكار حول كيفية مواجهة التحديات القائمة وتعزيز أمن الخليج في ظل اختلاف العلاقات الثنائية بين دول المجلس وإيران، أدَّى إلى طلب صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية طيب الله ثراه ببقاء بند (الانتقال من مرحلة التعاون إلى الاتحاد) كبند ثابت على جداول أعمال اجتماعات المجلس الوزاري والمجلس الأعلى للقمة الخليجية، وذلك بعد أن تلمَّس سموه وجود توجّه لدى بعض الدول الأعضاء بإلغاء الاقتراح نهائيًا رغم إدراك الجميع بأهمية قيام الاتحاد بسبب عدم وجود استراتيجية خليجية موحَّدة تقف في مواجهة تطور سياسات القوى الإقليمية كإيران التي تسعى للهيمنة والتمدد، والقوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة وحلفائها الذين عقدوا صفقة الاتفاق النووي مع إيران لإطلاق يدها في المنطقة دون اكتراث لمصالح دول الخليج، وذلك كلّه في ظل ضعف القدرات الدفاعية والردعية لدول المجلس واعتمادها على حلفائها في المنطقة.

إن وجهة نظري في (الاتحاد الخليجي) وأفكاري واقتراحاتي المتعلّقة به والتي طرحتها خلال العديد من الاجتماعات الرسمية وغير الرسمية والورش والمقابلات التلفزيونية والصحفية التي شاركتُ بها والمقالات التي كتبتها، إنما جاءت ابتدائياتها من اقتناعي التامّ بما تضمّنته خطابات صاحب الجلالة الملك المفدى وعلى الأخص منها خطاب جلالته في قمة الرياض (ديسمبر 2011م) ورؤية جلالته التي تم إقرارها في قمة أبوظبي عام (2010م) وأُطلق عليها (رؤية البحرين)، والتي أكَّدت جميعها على ضرورة تفعيل دور المجلس لحماية مكتسباته في ظل الأوضاع المتأزمة في المنطقة والتهديدات والأخطار التي تحدق بدوله، وتنفيذ ما نصَّت عليه المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون بتحقيق التنسيق والتكامل والترابط فيما بين دول الأعضاء في جميع الميادين وصولًا إلى (الاتحاد الخليجي).

 فالاتحاد الخليجي يعتبر مطلبًا شعبيًا خليجيًا ملحًّا، فما تحقَّق من إنجازات خلال مسيرة مجلس التعاون الممتدة لأكثر من (38) عامًا يعطي الكثير من الدلائل على نجاح هذا الكيان وقدرته على التحوّل إلى (اتحاد)، خصوصًا في ظل ما يتمتَّع به من عوامل وركائز تاريخية مثل تشابه أنظمة الحكم والتجانس بين الشعوب وعدم وجود حواجز جغرافية تمنع التواصل المباشر بينها، إضافة إلى عوامل مهمة كوحدة الدين واللغة والعادات والتقاليد المشتركة والموروث المجتمعي والثقافي وطبيعة الاقتصاد الخليجي.

كل تلك العوامل تشكِّل أرضية صلبة لأي اتحاد لمواجهة التحديات السياسية والأمنية والعسكرية على المستويين الدولي والإقليمي، والتي تأتي في مقدمتها السياسات الإيرانية وتدخلها في الشؤون الداخلية لدول المجلس، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار التي تشهدها أغلب الدول العربية كاليمن والعراق ولبنان وسوريا وغيرها، والتي تسود المنطقة بعد موجة الربيع العربي وتصاعد نزعات التفتيت على أسس طائفية ودينية، والتغييرات الجارية في موازين القوى الإقليمية والدولية، وجميعها تجعل من تحويل مجلس التعاون إلى (اتحاد خليجي) خيارًا موضوعيًا ضروريًا، نتابع ما مرَّ به من تطورات في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها