النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11525 الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 الموافق 10 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

بوتين هو الحل... بوتين هو المشكلة؟

رابط مختصر
العدد 11285 الإثنين 2 مارس 2020 الموافق 7 رجب 1441

  • كان بوتين هو الغائب الحاضر في مؤتمر ميونيخ. وكان كلام إيمانويل ماكرون أكبرَ دليل على حضور ظل بوتين

 

منذ سنوات تحوَّل «مؤتمر ميونيخ للأمن» فرصةً لقياس منسوب القلق الدولي، إذ تلتقي في منصته، كما في ردهاته، المواقف المتناقضة والنزاعات المفتوحة والمخاوف المعلنة والمضمرة من تصاعد أدوار وانحسار أخرى في ظل قناعة راسخة بغياب آلية جدية وفاعلة لضبط المواجهات والتصدعات.

ولا مبالغة في القول إنَّ الدورة الـ56 للمؤتمر التي اختتمت أعمالها، أمس، هي الأهم منذ انطلاقه في 1963. فقد عكست المداخلات والمناقشات واللقاءات الهامشية حجم القلق المخيّم على كثير من اللاعبين. تكفي الإشارة إلى القناعة أنَّ رائحة شكل من الحرب الباردة الجديدة لم تعد مجرد تكهنات متشائمة. ثم إنَّ الحديث عن «أفول الغرب» أو تراجع دوره لم يعد محصورًا في الغرف المقفلة. ثم إنَّ القارة نفسها التي ينعقد المؤتمر على أرضها بدت أشبه بأسطول قديم يبحر خائفًا بين «الانطوائية» الأمريكية و«العدوانية» الروسية ومن دون رد فعل موحد من بحارة الأسطول. هذا من دون أنْ ننسى أنَّ بريطانيا استقالت من الاتحاد الأوروبي وأنَّ المستشارة الألمانية تستعد للتقاعد، تاركة القارة في عهدة سيد الإليزيه الذي لم يتردد في القول إنَّ صبره آخذ في النفاد من البطء الألماني والأوروبي.

أوروبا خائفة على دورها واستقرارها ونموذجها. لم يعد الجناح الأوروبي في حلف الأطلسي واثقًا تمامًا بالقدرة على الاحتماء بالمظلة الأمريكية في ساعات الشدة. لم يعد الخلاف بين ضفتي الأطلسي خلافًا في الأمزجة الرئاسية، بل تحوَّل إلى تباعد في مفردات قاموس قراءة العالم والمصالح وأعباء التحالف. واضح أنَّ أمريكا دونالد ترمب ليست استمرارًا لدور حارس النظام الدولي. وعلى رغم تطمينات بومبيو حول قوة الغرب بدا الأوروبيون غير مقتنعين بأنَّ روح الأطلسي لم تتصدع.

كشف مؤتمر ميونيخ أنَّ «مجلس إدارة العالم» مصاب بفيروسات القلق والشكوك وهواجس تحقيق الاختراقات والانقلابات عبر نزاعات تدور غالبًا بالواسطة. ويعتقد عدد غير قليل من الأوروبيين أنَّ الزعيم الروسي في طليعة المسؤولين عن تردي الأحوال في نادي الكبار لأسباب كثيرة. فقد اتضح في ضوء التجربة أنَّ فلاديمير بوتين يحمل مشروعًا كبيرًا للثأر من الغرب الذي تفوق على الاتحاد السوفياتي ودفعه إلى المتاحف. ثم إنَّه كرَّس في بلاده نموذجًا لديمقراطية الرجل القوي الذي يرث نفسه. يضاف إلى ذلك إقدامه على ضم القرم وزعزعة استقرار أوكرانيا وإحياء أسلوب معاقبة الجواسيس الخونة، وإن حاولوا التحصُّنَ بهذا البلد الأوروبي أو ذاك. وإضافة إلى كل ذلك إصراره على معاقبة الثورات الملونة، واستعراض عضلاته في منطقة كالشرق الأوسط عبر التدخل العسكري في سوريا وبعدها في ليبيا.

يشعر الحكام الأوروبيون أنَّ أسلافهم أخطأوا في قراءة شخصية بوتين الذي أطلَّ على المشهد الروسي والدولي في بداية القرن الحالي. اعتقدوا أنَّ الرجل سينشغل بمنع تفكك الاتحاد الروسي نفسه، ثم سينطلق في مشروع للتحديث مقتفيًا خطى الدول الأوروبية. أخطأ هؤلاء في فهم الرجل الغامض القادر على إبداء أقصى مشاعر الود مغلفًا قفازاته بحرير البراعات التي تبدأ بإخفاء النيات بانتظار الفرصة السانحة لتسديد الضربة الموجعة. ولعلَّهم أخطأوا في فهم الروح الروسية العميقة وعلاقتها بالعالم والتي لا تنفصل عن علاقتها بالقيصر وجروح التاريخ.

كان بوتين هو الغائب الحاضر في مؤتمر ميونيخ. وكان كلام إيمانويل ماكرون أكبرَ دليل على حضور ظل بوتين ممثلًا بوزير خارجيته سيرغي لافروف المقيم منذ سنوات طويلة في المبنى الستاليني لوزارة الخارجية الروسية، الذي عاش طويلًا في ظل سلفه أندريه غروميكو. انقضت تلك السنوات التي كان يؤمل فيها أن تكون روسيا بوتين شريكًا طبيعيًا ولو منافسًا لأمريكا وأوروبا. ماكرون المؤيد للحوار مع بوتين تحدَّث عن عدوانية روسيا وتمسكها بانتهاج سياسة لزعزعة الاستقرار، وتوظيف ثورة الاتصالات للتدخل في الانتخابات على أراضي الآخرين والتحرك عبر الوكلاء.

ظِلُّ بوتين الذي كان حاضرًا في ميونيخ كان مخيّمًا في الوقت نفسه على التطورات المتسارعة في إدلب السورية وحولها. تصاعد التراشق بين أنقرة وموسكو إلى حد غير مسبوق، ودفعت تركيا بأرتال من قواتها إلى الأرض السورية. وجَّه رجب طيب إردوغان اتهامات صريحة إلى روسيا بالتخلي عن التزاماتها بموجب اتفاقات سوتشي وعملية آستانة. وردَّت موسكو باتهام الرئيس التركي بعدم الوفاء بتعهداته وبإدخال أسلحة إلى سوريا انتهى قسم منها في يد «جبهة النصرة» المدرجة على قوائم الإرهاب. شهدت المنطقة للمرة الأولى احتكاكات دموية بين الجيشين السوري والتركي وعاد إردوغان إلى التلويح باستهداف نظام الرئيس بشار الأسد.

بعد قليل من التدخل العسكري الروسي في سوريا ساد اعتقاد لدى جهات كثيرة أنَّ بوتين الذي أنقذ النظام سيدفعه في المقابل إلى القبول بقدر من عملية سياسية، تؤدي إلى نوع من إشراك المعارضة المعتدلة في صياغة دستور جديد، خصوصًا بعد تراجع المطالبة بإزاحة الأسد بفعل موازين القوى الجديدة على الأرض. وثمَّة من اعتقد أنَّ بوتين سيسعى إلى تقليص تدريجي للنفوذ الإيراني في سوريا، لإقناع أهل المنطقة والدول الكبرى أنَّ «سوريا الروسية» هي البديل لـ«سوريا الإيرانية».

ومرة جديدة بدت سياسة بوتين أكثر تعقيدًا وغموضًا. لم يتضح ما إذا كان راغبًا في تقليص الدور الإيراني وما إذا كان قادرًا. لكنَّه في المقابل لم يحاول منع إسرائيل من شن جولات من الغارات على البنية العسكرية الإيرانية في سوريا، وأقام مع بنيامين نتنياهو علاقة تشاور كثيفة ودائمة. ومن جهة أخرى اهتمَّ بتعميق التباعد بين تركيا والغرب، وأدخل الصواريخ الروسية إلى ترسانة هذه الدولة الأطلسية وأعطاها في المقابل ضوءًا أخضر للتدخل عسكريًا على الأرض السورية، وتفكيك الشريط الكردي. ثم تبيَّن أنَّ تركيا تريد أكثر من ذلك وأنَّ روسيا تضمر غير ما تظهر. ولعل لافروف أجاد اختصار المسألة حين قال في ميونيخ: «روسيا وتركيا وإيران ليست لها أهداف واحدة في سوريا».

وفي الوقت نفسه، أطلَّ ظِلُّ بوتين في ليبيا ودار الحديث عن «المرتزقة الروس» والمرتزقة من السوريين المصنفين في خانة «أصدقاء روسيا» والذين يرابطون في المعسكر المقابل الذي نقل إليه إردوغان مرتزقة من «أصدقائه» السوريين.

من ميونيخ إلى إدلب ووصولًا إلى ليبيا ظِلُّ بوتين حاضر. لكن بعض الذين اعتقدوا أنَّ بوتين هو الحل، يعتقدون اليوم أنَّه المشكلة بحساباته التي تفاجئ اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين.

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها