النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11319 السبت 4 ابريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

جسر الملك فهد...

رابط مختصر
العدد 11282 الجمعة 28 فبراير 2020 الموافق 4 رجب 1441

 لا شيء يدعوني إلى الإعلان عن محبتي وتقديري للسعودية غير أنها دولة تربطها بالبحرين علاقات تاريخية راسخة جذورها عميقا في وجدان الشعبين، ولها أفضال كثيرة على منطقة الخليج العربي، ليس حفظها أمنه واستقراره ودحرها مكائد الأعداء إلا أقلها. أما بالنسبة إلى الشعب السعودي فهو الداعم والمؤازر لمواقف حكومته تجاه مختلف الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وهو أمر يلمسه المرء بمجرد محاورة أي مواطن سعودي؛ إذ يُلحظ بيسر ولاء ثابت لقيادة المملكة وسياساتها، وتهيؤ واستعداد للذب عن السعودية إزاء كل نبرة تشتم منها رائحة تشكيك أو انتقاد أو تجنٍ على السعودية. شخصيا أمضيت مع أصدقاء سعوديين كثيرين أوقاتا جميلة في المنطقة الشرقية، وتحديدا في الخبر الجنوبية التي كانت تسمى في ذاك الزمان «صبيخة»، ولا أعرف إن كانت هذه التسمية إلى الآن قائمة أم لا. هذا الماضي الجميل لا تزال تتدفق من صندوق ذاكرتي عنه مشاهد وصور لا تُنسى مع من أمضيت معهم فترات من عمري، طفولة ومراهقة.

هذا الماضي لم ينقطع يوما، حيث إنني ما زلت ألتقي ببعض أصحاب ذاك الزمن في السعودية أو في البحرين، بموعد مرة وبالمصادفات مرات. وامتدادا لتلك العلاقات الإنسانية فإنني أفخر اليوم، بعد أن أصبحت المملكة الخليفية والمملكة السعودية مربوطتين بجسر مفروش بالمحبة.. جسر الملك فهد، بأنني أضفت إلى أصدقائي القدماء قائمة صداقات جديدة من مختلف مناطق السعودية ومحافظاتها يطيب لي أن أسميها الصحبة السعودية الطيبة. 

 بعض الصداقات القديمة وكل الصداقات الجديدة نرفدها أسبوعيا بجلسات نتناول فيها مواضيع مختلفة، ثقافية وسياسية واجتماعية، عناوينها تدور في فلك ما تنشره الأخبار وما يتعاطاه الناس من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. عند لقائي الأسبوعي مع الصحبة السعودية منذ فترة ألاحظ سؤالا دائم التردد كثيرا ما يطرحه السعودي على السعودي الآخر: كيف كان الجسر؟ هل كان سالكا؟ هذه الملاحظة ترجمتها سؤالا طرحته على أحد الأصدقاء: وهل في كل مرة يكون الجسر مزدحما؟ الإجابة كانت: نعم يكون مزدحما تقريبا، خصوصا في نهاية الأسبوع وفي المناسبات.

 أحد هؤلاء الأصدقاء من الذين يحرصون على زيارة البحرين أسبوعيا ألح عليّ بأن أطرح مشكلة الازدحام التي يشهدها جسر الملك فهد، واصفا هذه المشكلة بأنها مشكلة متكررة ويعجب من أنها لم يوجد لها حل بات، وطلب مني أن أثيرها في مقال مخصوص يتناول ما أسماه الصديق بالمعاناة التي يكابدها المواطنون في البلدين، وخصوصا في أيام نهاية الأسبوع. محدثي يتساءل «لماذا تستعصي مثل هذه المشكلة على الحل؟ علما بأن الجهود المرصودة في هذا الجانب كثيرة، سواء أكان ذلك في الجانب السعودي أم في الجانب البحريني». ويُضيف قائلا: «ولعل الحل الأثمن والأكبر هو الشروع في العمل على بناء جسر الملك حمد الذي سيربط البحرين بالسعودية مع سكة حديد».

 طلب الصديق بقي حاضرا في رأسي طويلا لكني تمهلت في تناوله هنا؛ حتى أزور السعودية لأتأكد بنفسي من وجود مثل هذه المشكلة وهل فعلا هي مشكلة! وتستحق أن تُتناول في مقال! وحقيقة أذهلني منظر السيارات في الجانب البحريني من الجسر والتي يفترض أن تكون في شكل طوابير منتظمة، غير أنها لم تكن كذلك.. فللوهلة الأولى يتخيل لك أنك أمام كومة ضخمة من السيارات. كان المشهد مزعجا لا يُغري على مواصلة الرحلة، ولكني واصلت. ولا أبالغ إن قلت إنني أمضيت أكثر من ساعة حتى أنهيت ومن معي الإجراءات وحتى اجتزنا الحدود لندخل في الجانب السعودي.. كان بدوره مزدحما ولكن الازدحام كان أخف. وفي العودة وجدت ذات القصة معكوسة.

الطريف في الأمر أنني في فترة الانتظار والسير البطيء جدا جدا لإنهاء الإجراءات، عدت بالذاكرة إلى سبعينات القرن الماضي عندما كنت أرافق والدي في الذهاب إلى السعودية، حيث كنا نقضي في السفينة قرابة ثلاث ساعات على الأقل وخمس ساعات على الأكثر، وتساءلت في نفسي ألا توجد جدوى اقتصادية في استثمار النقل البحري بين البلدين، لعله يخفف من الضغط على الجسر، من جهة والاستمتاع بمنظر البحر من جهة أخرى؟! في السفينة لا يشعر الإنسان بالملل لأنها تمخر عباب البحر.. لا تتوقف.. أما في الجسر فإن ما ينهك المسافر التوقف طويلا في السيارة. ناهيك عن أن يكون معك في السيارة كبار في السن أو أطفال أو أصحاب أمراض مزمنة، أو كما يقول الأصدقاء السعوديون إن أكثرهم يأتون بصحبة عوائلهم. الأمر حقيقة يقتضي منا إيلاء الجسر الأهمية المستحقة للتيسير على المسافرين والتقليص من أوقات الانتظار إلى أكبر حد ممكن؛ ضمانا لمرونة أكبر في السير ولتدفق مروري لا يُجبر المسافر على البقاء سجين سيارته، علينا في البلدين الشقيقين أن نبحث في أكثر من طريقة لضمان راحة المسافرين في الاتجاهين، وأن نتدبر جدوى اعتماد مسالك أخرى تيسر الوصل اللوجستي بين ضفتي البحرين والسعودية من قبيل النقل البحري، كما أسلفت، حتى يتم إنجاز جسر الملك حمد، وهو أمر لا يدخل في باب المستحيلات؛ لأن من يتابع تاريخ العلاقات البحرينية السعودية يتأكد له أن المستحيل لا مكان له في منطق هذه العلاقات المتطورة أبدا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها