النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11319 السبت 4 ابريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

دور الزعامة وحركة التحرر الوطني

رابط مختصر
العدد 11280 الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 2 رجب 1441

بعد الحرب العالمية الثانية تحفزت الشعوب التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار وتحركت في ثورات شعبية من أجل طرد الاستعمار ونيل الاستقلال وبناء دولة وطنية مستقلة كاملة السيادة. أكبر دولة في آسيا كانت الهند، وأكبر دولة في أفريقيا كانت مصر. حركات الشعوب ضد الاستعمار هي مشاريع تحررية من أجل الاستقلال، وكأي مشروع لا بد له من مدير أو قائد يكون هو مركز القرار الذي يلتف حوله الشعب ويقبل بقراراته، ويكون حلقة الوصل مع الجهات الداخلية والخارجية، بدءًا من مرحلة النشاط التنفيذي إلى نهاية المشروع وتحقيق المراد منه. بعض من القائدة، بالنسبة لحركات التحرر، مع خطوات التقدم إلى الهدف المنشود، يكتسب أو يسعى إلى إسباغ نفسه بمسمى «الزعيم»، وهناك من القادة من تكشف الأحداث والانتصارات والنجاحات عن ملكة الزعامة، بطبيعتها الفطرية، في شخصياتها، فهؤلاء هم الزعماء بالأصالة. الفارق بين الزعيم بالأصالة والزعيم بالمسمى (تقليد) بون شاسع، الزعيم الأصيل نور يشع من ذاته، والزعيم التقليد يثبت نفسه على عرش تسطع عليه الأضواء من الخارج، والزعيم الأصيل يبحث عن المخلصين لمؤازرته والاسترشاد بهم في تنفيذ وظيفته (مهماته) الوطنية، بينما الزعيم التقليد يبحث عن المنافقين لتعظيمه وتبرير أنانيته وأهوائه، فالفارق بينهما كالفارق بين الثريا والثري. 

مشاريع التحرر، رغم أنها تسعى إلى التخلص من أزمة الاستعمار، إلا أنها قد تقع في أزمة داخلية تنبع من واقع الصراع على الزعامة. تبعات الصراع قد لا تكون في صالح الوطن، خاصة إذا تسلحت الزعامات بمبدأ الطائفية أو العرقية. الزعامات لها دور فاعل فعال في تغيير مجرى الأحداث و غرس دعائم في التاريخ، إن خيرًا أو شرًا، فزعامة هتلر قد دمرت ألمانيا وأوروبا، والدمار على وطن الزعيم كان أعظم، ومزيج كورش والإسكندر قد مزَّق العالم إلى شرق وغرب، ومازال العالم ممزق ولا يؤمل فيه رتق، فالشرق شرق والغرب غرب وهيهات أن يلتقيا، وهكذا تغرد بعض الأصوات. زعامات العصر الحديث لا تختلف، في الجوهر، عن زعامات العصور الغابرة، فهناك دائمًا الزعيم المنير والزعيم المستضيء.

العصر الحديث، الممتد من الحربين إلى الحرب الباردة، تميز بأهم نشاط بشري وهو الصراع ضد الاستعمار الأوروبي وتحقيق النصر الوطني ودحر الاستعمار وإجباره على جر ذيل الهزيمة راجعًا إلى كهوفه المتحضرة !!!. أكبر قارتين، آسيا وأفريقيا، هبتا في وجه أعتى دولتين استعماريتين من أوروبا، بريطانيا العظمى وفرنسا، وكانت سطوة بريطانيا ونصيبها من المستعمرات هي الأعلى، وأكبر دولة في أفريقيا، وهي مصر، وأكبر دولة في آسيا، وهي الهند، كانتا من نصيب بريطانيا العظمى. 

تحرك الشعب في الدولتين بقيادة زعاماتها الوطنية لتنفيذ مشروع وطني لطرد الاستعمار وبناء الدولة الوطنية. تحقق المشروع الوطني في الدولتين، ولكن النتيجة كانت مختلفة باختلاف طبيعة الزعامة وتركيبة الزعامة في البلدين والإرث الحضاري في المجتمعين، النتيجة كانت مختلفة في عنصرين، وهما وحدة الوطن وطبيعة النظام السياسي، والعنصران يتساويان في الأهمية المصيرية لأي شعب. 

مصر حافظت على وحدتها الوطنية رغم التنوع الديني فيها، وخاصة بجناحيها الإسلامي والمسيحي (القبطي)، فقد استطاعت زعامة المناضل سعد زغلول أن تجتذب إلى مشروعها الوطني (ثورة 1919) وتستقطب جميع فئات الشعب من يهود ومسيحيين ومسلمين في وحدة وطنية متراصة قوية واضعين أرض الوطن ووحدة ترابه فوق أي اعتبار أو انتماء آخر، فقد كان الشعب مع تلونه العقائدي على قلب وطني واحد، وقد كان للإرث الحضاري الذي تميز بوحدة القيادة ووحدة الأرض والذي يضرب بجذوره في عمق تاريخ يربو عمره على السبعة آلاف سنة فضل في تامين هذه الوحدة، فمصر كانت دوما واحدة لا انفصام فيها، قيادة وأرضًا. وانتقلت القيادة بعملية سلسة من زعيم إلى زعيم، فآلت المسئولية الوطنية وإتمام المشروع الوطني إلى مصطفى النحاس، وكان نظام الحكم ملكيا في عهد الزعيمين. ما حصل بعد ذلك من التحول، من نظام ملكي إلى نظام جمهوري، قد تم بأسلوب مميز وسلس، مع بعض من الدراما السياسية، وهذا من طبيعة التحولات النوعية، فكانت زعامة جمال عبدالناصر التي تفاعلت، بمقتضى معادلات مقعدة، بين التنمية الوطنية والتحديات الإقليمية وضرورات التعاطي مع الحرب الباردة. 

المشروع الوطني في مصر، بسلسلة زعاماته، كان له أثر كبير في الشعوب التي كانت تطمح إلى الاستقلال، وعلى رأس هذه الشعوب كان الشعب الهندي الذي تزامن مشروعه الوطني مع المشروع الوطني المصري. الزعيم الهندي الحكيم المهاتما غاندي كان متأثرا بالزعيم المصري سعد زغلول ويكن له كل احترام وتقدير، وكان يستشهد ويسترشد بخطى الزعيم المصري من أجل تحقيق الاستقلال وضمان وحدة الهند، كان الهاجس المقلق عند غاندي هو كيفية ضمان وحدة الاستقلال. المشروع الوطني الهندي منذ بداياته كان يواجه أزمة الأولوية بين الوطني والطائفي، زعامة غاندي كانت تعمل من أجل وحدة التراب الهندي ووحدة شعبه من هندوس ومسلمين تحت سقف دستور علماني ديمقراطي، ولكن زعامة طائفية برزت بموازاة الزعامة الوطنية، وهو الزعيم المسلم محمد علي جناح الذي أصر على تحويل المشروع الوطني إلى مشروع طائفي، بمعنى دولة للهندوس ودولة للمسلمين. الزعامة المصرية كانت حريصة على وحدة الهند، فعندما زار محمد علي جناح مصر والتقى بالزعيم المصري مصطفى النحاس، خاطبه باعتباره زعيمًا إسلاميًا، ولكن النحاس أجابه بأنه زعيم وطني وليس زعيمًا إسلاميًا، ونصح جناح بأن يضع يده بيد غاندي من أجل دولة وطنية واحدة، ولكن الزعيم الهندي المسلم كان في وادٍ آخر. محمد علي جناح، بعد قراره الانسلاخ من حضارته، حاول إقناع النحاس انضمام مصر إلى تجمع الجامعة الإسلامية، ولكن الزعيم المصري بعث برسالة واضحة إلى جناح وهي: «أن مصر لا مجال فيها للعصبيات الدينية التي تخرب الأمة الواحدة والوطن الواحد وتقسيمه إلى دولتين منفصلتين وشعبين متحاربين»، وكانت رسالة النحاس إلى جناح تحمل نذر نبوءة شؤم، أثبتت الأيام اللاحقة صدقها، فها هي الهند وباكستان في حالة حرب شبه دائمة، وأثبتت كذلك مصداقية الزعامة الوطنية أمام الزعامة الطائفية، فهند الوطنية يعيش فيها أكثر من مائة مليون مسلم في وسط هندوسي ومسيحي وغير ديني، وقد تبوب الهندي المسلم عبد الكلام كرسي الرآسة في الهند دونما رفض أو حساسية من قبل الهندوس وغير الهندوس من غير المسلمين، لأن الهند أضحت بفضل قيادة غاندي وحزب المؤتمر الهندي وطنًا للجميع دون تفريط ولا تمييز بين المواطنين، بينما باكستان الإسلامية نفسها لم تستطع أن تحافظ على وحدتها، فانقسمت إلى باكستان مقلصة وبنغلادش إسلامية، وتعقد الصراع في القارة الهندية... فالطبيعة الطائفية لا تنقسم فقط على غيرها ولكنها تنقسم كذلك على ذاتها، فهي تعيش حالة التقسيم والانقسام الدائم المتواصل.

الزعامة الوطنية تحافظ على وحدة التراب الوطني وتحافظ على تلاحم فئات الشعب في وحدة وطنية متكاتفة ومتآزرة ومتعاونة، بينما الزعامة الطائفية إقصائية بطبيعتها وأهدافها، وهي مستعدة لتقسيم تربة الوطن، وحتى بيعها، والاستفراد برقعة أرض لطائفتها الخاصة، لأنها تأبى العيش المشترك مع الطوائف الأخرى، وهي مستعدة أن تعيش حالة حرب دائمة ضد الآخرين، إن كان هذا هو الثمن الذي يتوجب علبها أن تدفعه ضد بناء دولة الوحدة الوطنية. الزعامة لها دورها المبدئي والمحوري والفعلي في تحقيق وحدة الوطن و تلاحم الشعب، أو على النقيض، تقسيم الوطن - أو بيعه - وتفريق الشعب إلى طوائف متناحرة. 

الزعامة الطائفية تحمل وزر ما تفعلها، فالدولة الطائفية، بأنماطها الأيديولوجية أو القبلية أو العرقية (العنصرية)، تتآكل ذاتيًا وبأدواتها الخاصة، وهي دولة فاشلة إن آجلاً أو عاجلاً... والخلاصة أن الزعامة الطائفية، حتى إن كانت سائدة ذات سطوة وجاذبية، فهي بطبيعتها فاشلة، ونتائج أعمالها كارثية...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها