النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

العاطلـــــون عــــن الأمــــــل..!

رابط مختصر
العدد 11279 الثلاثاء 25 فبراير 2020 الموافق غرة رجب 1441

من باب الجسارة الباهظة الثمن أن يظل ملف البحرنة في دائرة المراوحة والعجز عن سلوك الدروب السليمة التي تلامس المعالجات الصحيحة والحاسمة والحصيفة والمطلوبة بشكل عاجل وملح، وهو الأمر إن شئنا الصراحة يجعل المعنيين بأمر هذا الملف متهمين على الأقل بالتقصير، او عدم امتلاكهم لرؤية واضحة، والملف يمكن أن يضاف اليه الكثير الكثير من حسن الإدارة وقبلها الإرادة، وهما الى الآن لا يعرف لهما صورة واضحة..! 

بكل الوضوح الممكن، ومن غير تجاسر زائد، نحن في أمسّ الحاجة اليوم الى روح جديدة في التعاطي مع هذا الملف، روح تبعث إرادة تحقق نتائج أفضل كمًّا ونوعًا إزاء هذا الملف الذي وجدنا من ردد بأن هناك من لا يريدون له أن «يتلحلح»، وإن هناك من المصالح والحسابات ما نعلم لا تريد أن يتغير شيء في شيء، وإن الحاجة رغم كل الشعارات والخطط، والاستراتيجيات المتلاحقة ذات العلاقة التي أعلن عنها طيلة السنوات التي مضت وحتى الآن وجدناها أعجز ما تكون عن فتح آفاق ومعالجات جديدة وجدية تتجاوز المراوحات والإخفاقات والشعارات المستهلكة والفرقعات الإعلامية، وكل ما يؤدي الى واقع يفضي، عمدًا او سهوًا الى توسيع دائرة «تيئيس» الناس..!

حالة «التيئيس» هذه وجدناها هذه المرة تطل برأسها بصورة او أخرى في ورشة عمل «البحرنة.. واقع وتحديات» التي حاولت الجمعيات السياسية عبر ورشة عمل نظمتها الأسبوع الماضي بمقر تجمع الوحدة الوطنية أن تطلق العنان لنقاش واسع بين الأطراف المعنية، بدءًا من وزارة العمل، وغرفة البحرين اللتين أعلن بأنهما دُعيتا ولم يحضر ممثل عن أي منهما، مرورًا باتحاد نقابات العمال، وجمعيات سياسية ومهنية ومؤسسات أهلية ومهتمين وباحثين وإعلاميين ونقابيين، بجانب مجلس النواب ممثلًا في ثلاثة نواب من أعضاء لجنة التحقيق البرلمانية في ملف البحرنة ومن ضمنهم رئيس اللجنة، في هذه الورشة طرحت تساؤلات قوية النبض لا نحتاج الى لفت الانتباه بأنها ظلت وستظل تبحث عن إجابات وافية وكاملة ومكتملة..!

كان واضحًا أن هاجس معظم الأطراف المشاركة في الورشة المذكورة تبيان ما آل اليه مسار البحرنة التي رفعت راياتها على مدى نحو ثلاثين عامًا، ولكنها ظلت من أكثر المشاريع تعثرًا وإخفاقًا رغم كل خطط ومشاريع وسياسات البحرنة التي أعلن عنها طيلة السنوات الماضية ورأى المشاركون في الورشة بأنها لم تفعل فعلها، ولم تحقق نتائجها المستهدفة، وظلت شعارًا يدشن في المناسبات ومعارض التوظيف التي يبدو أننا ننفرد بإقامتها رغم كل الكلام الكبير الذي يطلقه مهندسو هذه المعارض..! 

الأطروحات والنقاشات في ورشة البحرنة معظمها جاء معبرًا عن ما يشعر به ويتألم منه البحرينيون من انفراط عقد كل ما يتعلق بالمشاريع والخطط والسياسات التي أريد منها جعل البحريني الخيار الأول للتوظيف في سوق عمل تحرر من الإلزام والالتزام بالبحرنة، ووفر إمكانية مبادلتها والتخلي عنها نظير دفع رسوم يدفعها صاحب العمل او الشركات تحت مظلة ما عرف بنظام البحرنة الموازي، وبذريعة حرية الاقتصاد، وإعطاء الخيار للمستثمرين، وذهبت بعض الأطراف والشركات الحكومية الى أن تفضيل البحريني في سوق العمل ينطوي على صورة من صور التمييز المرفوض في العمل، وكأن بقية الدول لا تحمي عمالتها الوطنية، ولا تعطيهم الأفضلية، ولا تجعلهم خيارًا استراتيجيًا..!

تلك رؤية تستوجب الانتباه والتأمل من سائر الوجوه، لأنها تبقي حال البحرنة على ما هو عليه ان لم يكن أسوأ، وكأن أصحاب تلك الرؤية او السياسة يريدون أن يجعلوا الممكن - حتى الممكن - مستحيلًا في هذا الملف، وسيكون من المتهور مواصلة الهروب الى الأمام وخلق واقع ينعدم فيه الأمل، وينعدم فيه الأفق إزاء ملف بالغ الأهمية والحساسية كملف البحرنة. 

في ورشة العمل استوقفتنا ملاحظات وتساؤلات أشعرتنا في مجملها بأنه ليس أمامنا سوى حفنة بائسة من الأمل، وهذا الأمل يمكن أن يكون مرده إعادة الاعتبار الى البحرنة، وجعل توظيف البحريني الخيار الاستراتيجي الحقيقي، هل تذكرون هذا الهدف الذي طرح قبل نحو 15 عامًا حين كلفت شركة ماكينزي بدراسة وضع سوق العمل وجعل ذلك الخيار موضع التنفيذ، وهو الخيار الذي صرفت عليه الحكومة مبالغ طائلة، وتركزت الجهود من أجل تحقيقه، ولكنه بقدرة قادر ذهب الى المجهول ولم يعد أحد يأتي بسيرته، في ورشة العمل وجدنا من ذكرنا به، ووجدنا من ينبه الى تداعيات التحول من التشريعات الى القرارات، ووجدنا من يشدد على أهمية بحث أوجه الخلل في مخرجات التعليم وسبب الإخفاق في عدم ربط هذه المخرجات بسوق العمل، وبالقدر ذاته وجدنا من شدد على ضرورة التشخيص السليم لمشكلة البحرنة، وأهمية تقديم حلول جديدة ومبتكرة معالجة المشكلة، ووجدنا من دعا الى التمعن في أسباب نجاح خطط التوطين في كل من السعودية وسلطنة عمان وكيف خطتا خطوات متقدمة في «السعودة» و«التعمين»، فيما بقي حال «البحرنة» مكانك راوح..!

كان لافتًا ايضًا في الورشة تلك الإشارة عن التضليل التي تمارسه بعض الجهات الرسمية، إشارة طرحت من نائب في لجنة التحقيق البرلمانية، وآخرين، التضليل في إعطاء أرقام غير دقيقة او تجميلية عن نسب البحرنة، ومعدلات التشغيل، ونجاحات معارض التوظيف، والتضليل في عدم تقديم صورة واضحة وحقيقية عن نسب تشغيل غير البحرينيين وخاصة ممن يصنفون على أنهم مستشارون وخبراء، وحول مقاومة بعض الجهات الرسمية للإبقاء على هؤلاء، وأخيرًا وليس آخر أثيرت تساؤلات حول مشروعية التحول من التشريعات الى القرارات فيما يخص بعض الجوانب المتعلقة بملف البحرنة، وحول مدى الحاجة الملحة الى منظومة تعليمية تواكب هدف ربط مخرجات التعليم بسوق العمل ومتغيراته.. 

ذلك كله من وحي ما أثير في ورشة «البحرنة.. الواقع والتحديات»، وما أثير في معظمه لم يؤكد فقط عمق المشكلة، بل أكد ايضًا أنه من الصعب أن يداوى المرض بالمرض، او يطلب الدواء من أهل الداء، وحذر من مغبة الاستمرارية في المراوحة في الجذور والمنطلقات، وهذا يعني أن المطلوب لإدارة مشكلة البحرنة إدارة جديدة، رؤية جديدة، ومنظور جديد، وعقلية جديدة تأخذ بعد الأمن المجتمعي في الاعتبار، وتكون قادرة على ابتكار حلول إبداعية جديدة، وقبل ذلك مطلوب إرادة جديدة تحرك الملف كما ينبغي أن يكون التحريك..! 

المتبقي أخيرًا في قائمة الأسئلة المثارة، هذا السؤال، هل يمكن أن ننتظر جديدًا بعد انتهاء عمل لجنة التحقيق البرلمانية في ملف البحرنة..؟! والسؤال بعبارة أخرى، هل يمكن أن «يتلحلح» هذا الملف والانتقال به الى مرحلة انتفاضة تجعل البحريني حقًا وفعلًا الخيار الأول والاستراتيجي في التوظيف..؟ 

نعلم أن هناك من الرسميين من يتعامل مع السؤال، وغيره من الأسئلة التي أثيرت في تلك المناسبة وغيرها من المناسبات، وكأن ليس في الأمر أكثر من سؤال ورد جواب، في نوع من الممارسات والإخفاقات المتكررة التي يفترض تجاوزها لأنها إجمالًا تجعل معضلة البحرنة لا تواجه بالجدية الكافية، وليت الجواب او الأجوبة تشفي الغليل، او تنير الطريق، او تعكس رغبة جدية في تجاوز قصر النظر وضيق الأفق إزاء ملف يفترض أن يكون اليوم في صدارة أولويات الدولة، والدولة لا تعني وزارة العمل وحدها، او ديوان الخدمة المدنية وحده، بل تعني الى ايضا الحكومة، والسلطة التشريعية، ومجلس التنمية الاقتصادية، وغرفة التجارة، ووزارة التربية والتعليم، و«تمكين»، وهيئة تنظيم سوق العمل، الجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والجمعيات، وكل قوى المجتمع البحريني، الكل دون استثناء، هذه حقيقة يجب أن يعيها الجميع كي لا نظل نعاني مرَّ المعاناة من وجود أبنائنا وهم عاطلون عن الأمل..! ثمة شيء أخير نريد أن نقوله، إثباتًا لواقع وليس تذكيرًا ولا تحذيرًا: انتبهوا لم يعد المجهول مجهولًا في ملف البحرنة..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها