النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

كتاب الايام

الأمن الخليجي والتهديد الإيراني المستمر

رابط مختصر
العدد 11279 الثلاثاء 25 فبراير 2020 الموافق غرة رجب 1441

إحدى وأربعون عاماً مرَّت على نجاح الثورة الخمينية في (فبراير 1979م) ودخول عدد من الدول الخليجية في مرحلة جديدة من التوترات مع إيران، رغم التوقعات بتحسّن العلاقات (الخليجية الإيرانية) بعد نفي آخر اباطرتها (الشاه محمد رضا بهلوي)، إلا أنها على العكس من ذلك، استمرَّت التوترات وتفاقمت التهديدات، حيث لم تختلف الاستراتيجية الإيرانية تجاه الخليج حتى بعد تحوّل نظام الحكم في إيران من نظام إمبراطوري  إلى نظام جمهوري إسلامي، وذلك لأسباب عديدة تتلخَّص في الآتي:

أولاً: استمرار الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث، جزيرة طنب الكبرى وجزيرة طنب الصغرى التابعتين لإمارة رأس الخيمة، وجزيرة أبو موسى المقابلة لساحل إمارة الشارقة، والتي تمتاز بأهمية استراتيجية وعسكرية وسياسية واقتصادية عظيمة، فبدأ احتلالها في عهد الشاه (محمد رضا بهلوي) في (نوفمبر 1971م) كأول تحرّك ميداني كشَف الأطماع الإيرانية في الخليج مع بزوغ فجر استقلال دوله والانسحاب البريطاني من المنطقة، ليستمر هذا الاحتلال حتى اليوم، ولم توافق إيران على إحالة الموضوع إلى محكمة العدل الدولية ولم تتجاوب مع الدعوات الإماراتية لإيجاد الحل بالمفاوضات الثنائية، حيث اعتبرت إيران الجزر الثلاث جزءً لا يتجزأ من التراب الإيراني وتمادت في موقفها العدائي بإجلاء الأعداد القليلة من الصيادين الإماراتيين من سكّان جزيرة أبو موسى بغرض تهيئة الجزر كقواعد عسكرية للبحرية الإيرانية، وهو ما يترجم حقيقة الأطماع الإيرانية وسعيها نحو التمدّد في المنطقة وبَسط نفوذها باستخدام القوة، وفي هذه السياسة مفارقة عجيبة اتفق فيها النظام الجمهوري الإسلامي الخميني مع النظام الملكي البهلوي السابق، فالمخطط السياسي والعسكري الإيراني استمرّ كما خطَّط له محمد رضا بهلوي الذي عبَّر عنه في (نوفمبر 1972م) بقوله: (إن الخطوط الدفاعية للبحرية الإيرانية تتجاوز نطاق الخليج (العربي) وخليج عدن وتمتد إلى المحيط الهندي، ويجب على القوات البحرية الإيرانية أن تزداد عدة مرات خلال السنوات القادمة لتحقيق استراتيجية بعيدة المدى) واستمرت مراحل تنفيذ تلك الاستراتيجية منذ العهد البهلوي مرورًا بالعهد الخميني وحتى اليوم!

ثانيًا: قيام إيران بتعزيز نفوذها في المنطقة عبر ادّعاء المظلومية ورفع شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية التعبير والعزف على أوتار الطائفية، والعمل على زعزعة الأمن والاستقرار في دول الإقليم بشراء ذمم أصحاب النفوس الضعيفة من مواطني تلك الدول، والتخطيط لتنفيذ عدد من المحاولات الانقلابية في البحرين، وتهريب الأسلحة إلى السعودية والبحرين والكويت، وتدريب أعداد من زوار الأماكن الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء وإيران ولبنان للقيام بعمليات إرهابية تمّ تنفيذ بعضها فعلاً في البحرين والكويت والسعودية، إلى جانب التصريحات السياسية المناوئة لدول مجلس التعاون من قبل عدد من النواب والوزراء الإيرانيين حول مطالبات إيران القديمة بالبحرين، كتصريح علي ناطق نوري رئيس التفتيش العام بمكتب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، الذي قال (.. إن البحرين كانت في الأساس المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة وكان يمثلها نائب في مجلس الشورى الوطني.)، وإيران بذلك كلّه إنما تسعى لنشر المذهب الشيعي ليتحقق حلمها التاريخي بقيام (الدولة الإسلامية الشيعية الكبرى) على امتداد الوطن العربي.

ثالثًا: انتهاج طهران استراتيجية تقوم على أسس تعميق الخلافات الخليجية الخليجية، وتعزيز علاقات التعاون مع عدد من دول الخليج على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية؛ وذلك بهدف إيجاد موطئ قدم لها في مجلس التعاون تستطيع من خلاله تحقيق أهداف ومبادئ ثورة الخميني بنشر المذهب الشيعي بين الشعوب الخليجية من خلال المدارس والمعاهد الثقافية الإيرانية المنتشرة في دول المجلس والعمل على تعزيز هيمنتها على القرار السياسي باعتبارها القوة الإقليمية الأولى المسيطرة على منطقة الخليج، خاصة بعد توقيعها للاتفاق النووي الذي أعطاها الضوء الأخضر، ولم يتوقف سعى طهران عند هذا الحد بل امتد أيضا للتقارب مع منافسي المملكة العربية السعودية بالمنطقة مثل تركيا، لدعم وجودها الإقليمي على حساب المملكة.

 إن محاولات إيران للانفراد ببعض دول مجلس التعاون وتوطيد علاقاتها معها مستمرة، خصوصًا بعد نجاحها الباهر مع دولة قطر، وهي لا تدع أيّ فرصة لوسائل إعلامها للعب على وتر التفرقة والمظلومية، بل تستغل خلاياها ومجموعاتها الطائفية لحالة التسامح والتعايش والانفتاح وقبول بالآخر الموجودة في دول مجلس التعاون لتنفيذ مخططاتها التخريبية عند الحاجة وفي الوقت الذي تراه مناسبًا، بما يخفف الضغوط الداخلية التي تواجهها من شعبها البائس بالترويج له بأن المصاعب الاقتصادية التي تحاصره هي ثمن جهودها في تصدير الثورة الإسلامية التي لم تقدِّم للإيرانيين سوى شعارات كاذبة وأوهام لا علاقة لها بحياتهم اليومية ومستقبلهم.

وستظل إيران تصنع الأكاذيب الإعلامية وتتحدَّث عن الصفقات السرية والتطبيع المزعوم بين إسرائيل والدول الخليجية بهدف تخدير شعبها وقبوله لواقعه المر لأجل إطالة عمر نظام ولاية الفقيه وتثبيته كنظام إقليمي مُعترف به من المجتمع الدولي وكنظام عالمي يجب أن يعم العالم كما صرَّح بذلك آية الله الخميني قائد الثورة الإيرانية باعتباره الحل الصحيح لتحقيق السلام كما نص عليه الدستور الإيراني، وقد استغلَّت في ذلك الاتفاق النووي مع مجموعة (5+1) الذي تمَّ التوقيع عليه رغم عدم رضا دول مجلس التعاون عليه خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في (يوليو 2015م)، وكانت نتيجته الفورية اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة وتمدَّده وبسط سيطرته على أهم العواصم العربية (بغداد ودمشق وبيروت)، وتحريك أذرعه التخريبية في البحرين واليمن والسعودية والكويت حتى طال المملكة المغربية في (مايو 2018م)!

إن أساس الأزمة مع إيران يتمحور في قضايا التسليح النووي ووسائل استخدام قوتها الصاروخية التي تهدد الأمن والسلم العالمي والإقليمي وتخدم استراتيجيتها بالهيمنة الشاملة على القرار السياسي في المنطقة حيث الاحتياطات النفطية الهائلة التي تعتبر أهم مصادر الطاقة في العالم، وتقوم هذه الاستراتيجية على إحكام سيطرتها على منافذ طرق الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي يقع بين سلطنة عُمان وإيران، ومضيق باب المندب الواقع ما بين البحر الأحمر وخليج عدن، وذلك باستغلال حلفائها الحوثيين في اليمن والسيطرة على العراق وسوريا عن طريق حزب الله اللبناني، لتصبح (إيران) هي جهة التفاوض التي تقدِّم حلول السلم والأمن في المنطقة ويجعلها كما لو كانت جزءاً لا يتجزأ من توازن القوى العالمي.

لذلك تظل إيران تمثِّل التهديد الدائم والخطير على الأمن الإقليمي والخليجي منذ نجاح الثورة الإيرانية عام (1979م) وحتى اليوم؛ وذلك لأسباب جيوسياسية وجيواستراتيجية، فنظراً لمساحاتها وعدد سكانها وطول سواحلها المطلّة على الخليج العربي والمحيط الهندي وما لديها من احتياطيات الغاز والنفط، إضافة إلى إحساسها التاريخي بالزعامة الإقليمية، ونجاح الخميني في إسقاط نظام الحكم الملكي الشاهنشاهي وإقامة نظام إسلامي شيعي يسعى للعالمية، كل ذلك خَلَقَ في إيران ميولاً عدوانية وإمبريالية والكثير من الحماسة حتى تغلَّبت على نظام الدولة وتحولت إلى نظام التنظيمات المساندة والخلايا الإرهابية، فكان إنشاء الحرس الثوري في إيران وحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن وحماس في فلسطين من أجل اختراق الدول المجاورة ووضعها تحت السيطرة بأدوات داخلية وخارجية، وظهر ذلك جليًّا في التورط الإيراني في العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن البحرين ودول أخرى.

وقد أدى التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للدول، ورعايتها للعمليات الإرهابية باستخدام أذرعها الطويلة في المنطقة، وفرضها لسياسة الأمر الواقع في التعامل السياسي مع الدول الكبرى، وتهديدها لأمن واستقرار شريان الملاحة البحرية الدولية والتجارة العالمية، إلى ضعف الجبهة الداخلية الإيرانية وفساد أجهزة الدولة والمرجعيات الدينية وانهيار (التومان)، إلى جانب تدهور الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق وسوريا واليمن ولبنان وهي الدول التي تسيطر إيران على قرارها السياسي، فكان لا بد لإيران من أن تقوم بتحديث استراتيجيتها وفق كل تلك المعطيات انطلاقًا من عدة مرتكزات هامة، وهي:

  أولاً: إن توقّف تصدير النفط الإيراني يعني توقّف بقية دول المنطقة عن تصديره كذلك، إما بقرصنة ناقلات النفط العملاقة في الخليج العربي وبحر العرب وبحر عُمان أو بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز.

ثانيًا: دعوة دول مجلس التعاون لعقد اتفاقيات (عدم اعتداء)، وهو الأمر الذي يحقق لإيران مَد نفوذها وسيطرتها على القرار السياسي في عواصم دول الخليج، وتأتي هذه الدعوة التي جاءت على لسان وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف منذ (مايو 2019م) للتخفيف من الشعور بالخوف والقلق والرغبة في التهدئة.

ثالثًا: الدعوة لإجراء حوار سياسي واقتصادي مع دول مجلس التعاون لبحث القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية وأهمها التواجد الأمريكي في المنطقة والضغط لانسحابه، وإنشاء منطقة اقتصادية إقليمية إيرانية خليجية خالصة وفق البنود التي أعلنها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في قمة الدوحة في (ديسمبر 2007م) وذلك بعدما قامت قطر - منفردة - بدعوة إيران لحضور القمة الخليجية وألقى الرئيس الإيراني خطابًا في الجلسة الافتتاحية تضمَّن شروط مستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية كما تراها بلاده، وهو الأمر الذي كان مفاجأة لقادة دول مجلس التعاون وخلَق حالة عدم ارتياح من هذا التصرف المنفرد الذي قامت به الدولة المضيفة.

إن العلاقات غير المستقرة بين إيران ودول مجلس التعاون منذ عام (1979م) وحتى اليوم، وتبنّي الدستور الإيراني لمبدأ (تصدير الثورة) واعتماد (نظرية ولاية الفقيه)، من الأسباب الرئيسة لانعدام الثقة وتدهور العلاقات الخليجية الإيرانية، حيث شهدت أحداثاً ومحاولات انقلابية وتدخلات فجّة في الشؤون الداخلية تؤكد جميعها على الصراع السياسي التاريخي القديم الذي كان وقوده اللعب على الوتر الطائفي والمذهبي.

ولكي تستطيع إيران أن تُمارس دورها الطبيعي والفاعل على مستوى المنطقة من المهم جداً أن تعمل على استقرار علاقتها مع دول الخليج، بحيث تُبنى على أسس عملية وواقعية من الاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج وحفظ سيادتها وبناء فضاء جديد من الثقة خصوصاً مع وجود تاريخ صعب من العلاقات المتوترة والشواهد للسعي الإيراني لتحقيق المجد الفارسي الذي سجَّل التاريخ انهياره تحت أقدام الخيول العربية في معركة القادسية الحاسمة عام (636م).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها