النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11440 الإثنين 3 أغسطس 2020 الموافق 13 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:36AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:24PM
  • العشاء
    7:54PM

كتاب الايام

لكيلا تمر صفقة القرن (1ـ2)

رابط مختصر
العدد 11274 الخميس 20 فبراير 2020 الموافق 26 جمادى الثاني 1441

أخطر العوامل الكامنة في «صفقة القرن»، التي أعلنتها الإدارة الأمريكية، وتلقفها العدو الصهيوني، هو أن تحصر ردة الفعل الفلسطينية في احتمال واحد هو أن تلاقي هذه الصفقة فشلاً ذريعًا. ويبني هذا الموقف الفلسطيني فرضياته على ردود الفعل السلبية من تلك الصفقة، التي لم تحصر نفسها في الموقف الفلسطيني، بل اتسع نطاقها كي يشمل، بالإضافة إلى الفلسطينيين، الذين أرغمتهم الصفقة على تجميد خلافاتهم، والانضواء تحت لواء موقف واحد يقوم على الرفض الكامل المطلق للصفقة، والتي عبرت عنه عبارة «فلسطين (أو القدس) ليست للبيع»، الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، واتحاد الدول الإفريقية.

لا بد من التأكيد هنا أنها ليست المرة الأولى التي يكشف فيها مشهد الصراع الفلسطيني - الصهيوني عن مثل هذه الحالة التي تبلغ فيها بينهما ذروتها. وقد عبَّرت عنها مجموعة من الانتفاضات المتتالية التي تعود جذورها الحديثة إلى العام 1987، والتي أطلق عليها اسم «انتفاضة الحجارة»، ولقد عرفت بهذا الاسم «لأن الحجارة كانت أداة الهجوم والدفاع التي استخدمها المقاومون ضد عناصر الجيش الإسرائيلي، كما عُرف الصغار من رماة الحجارة بأطفال الحجارة». 

وتتابعت الانتفاضات الفلسطينية التي، عبَّرت في جوهرها عن رفض مطلق للمشروعات الصهيونية التي لم تكف عن مساعيها لتصفية القضية الفلسطينية، وتحويلها من قضية شعب، إلى مجرد قضية لاجئين، حتى بلغ عددها ثلاث، كان آخرها «انتفاضة القدس، وكذلك سُميت انتفاضة السكاكين، وهي موجة احتجاجات وأعمال عنف تشهدها الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل منذ بداية أكتوبر 2015 حتى الآن. تميزت بقيام فلسطينيين بعمليات طعن متكررة لعسكريين ومستوطنين إسرائيليين، وكذلك قيام إسرائيليين يهود بطعن فلسطينيين، وإعدامات ميدانية للفلسطينيين بحجج محاولتهم تنفيذ عمليات طعن. تزامنت الأحداث أيضًا مع تنفيذ القوات الإسرائيلية ضربات جوية على قطاع غزة الذي انطلقت منه».

وهناك من يتوقع انتفاضة رابعة ترد على صفقة القرن.

لكن بعيدًا عن تلك الانتفاضات، سواء السابقة منها أو المحتمل اندلاعها، والتي إن عبرت عن شيء، فهي تعبر عن إيمان المواطن الفلسطيني، ابن المخيم، بعدالة قضيته، وحتمية انتصارها. وتمسكه بإصرار غير مسبوق في تاريخ نضالات الشعوب، باستعادة حقوقه كاملة، كما اعترفت بها منظمات عالمية، وأعلنت عنها لقاءات كونية، شاركت فيها دول عظمى، بما فيها الولايات المتحدة، المتصدرة لمعسكر الترويج لـ«صفقة القرن».

كل ذلك لا ينبغي أن ينفي تلك المخاطر التي باتت تحيط بالقضية الفلسطينية، كما تلتف الإسورة حول المعصم، وتشكل خطرًا على القضية وحقوق شعبها، بفضل ما تدعو له «صفقة القرن»، من حلول جائرة تصادر تلك الحقوق، وتضفي الشرعية على ما سرقه العدو الصهيوني. 

وقبل الدخول في مخاطر الصفقة، أو الحديث عن خطط التصدي لها من أجل إفشالها، ينغي التأكيد على أنها ليست وليدة الصدفة، كما أنها ليست من «هندسة» الإدارة الأمريكية الحالية. إذ لم تأتِ، كما تروي العديد من المصادر المتابعة لتطورات القضية الفلسطينية، ومن بينها الموقع الإلكتروني (منتدى السياسات العربية) «الخطة من فراغ، بل جاءت في سياق عملي مخطط له، منذ أن كشفت (هآرتس) بتاريخ 29 مارس 2017 أن ترامب بعث برسالة إلى رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بواسطة المحامي الأمريكي اليهودي ألن درشوفيتش، المقرب من اليمين الإسرائيلي، وقال في الرسالة إنه بالإمكان التوصل إلى اتفاق إسرائيلي - فلسطيني الآن، وإنه يريد تحقيق صفقة بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين... لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي كان أول من كشف عن خطة أمريكية ستكون بمنزلة (صفقة القرن) بعد لقائه الرئيس ترامب في يوم 4 أبريل 2017، أي بعد أسبوع من قمة البحر الميت في الأردن يوم 28 مارس 2017. وقد حضر تلك القمة المبعوث الأمريكي الخاص جيسون غرينبلات مراقبًا، فاجتمع مع عدد من وزراء الخارجية العرب، ضاغطًا لصالح (برنامج عمل مختلف) يخص عملية السلام، يتباين مع ما قرره الاجتماع الوزاري العربي، بهدف أن تُستبدل بعبارة (حل الدولتين) عبارة (حل يتوصل له الطرفان)، والحديث مجددًا عن (مفاوضات مفتوحة)، وأخيرًا الضغط باتجاه (مؤتمر إقليمي يفتتح المفاوضات مجددًا) بدلاً من الاستناد إلى المبادرة العربية».

هذا يعني أن «صفقة القرن»، تعني تحولاً استراتيجيًا في السياسة الصهيونية من جهة، وفي صلب مرتكزات المشروعات الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني - الصهيوني، من جهة ثانية. الأمر الذي يضع الفلسطينيون أمام تحد جديد، لا يقل خطورة، عن ذلك الذي خبروه في العام 1948، عندما استولت العصابات الصهيونية على نسبة عالية من الأراضي الفلسطينية، بعد أن هجرت منها، وبالعنف، سكانها الأصليين. 

أما المخاطر التي تشكلها الخطة على القضية الفلسطينية، ومستقبلها، فقد تناولتها، منذ الإعلان عنها، مجموعة من مراكز الدراسات، ومؤسسات الإعلام، ومن بينها «وكالة الرأي الفلسطينية للإعلام»، التي أوردت المخاطر التالية:

«تهويد مدينة القدس، وتثبيتها عاصمة للكيان الصهيوني، وتهويد فلسطين كلها، مع تكريس الاحتلال وتشريعه... إلغاء صفة اللجوء عن اللاجئين الفلسطينيين، وتحويل قضيتهم إلى قضية إنسانية، وشطب حق عودتهم إلى ديارهم التي طردوا منها... إنهاء فكرة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وتهميش الوجود الفلسطيني، وإسقاط أي دور لهم مستقبلاً، وتكريس سلطة فلسطينية تحكم بصلاحيات محدودة جدًّا، مدعومة بأجهزة أمنية ملحقة بالكيان الصهيوني، لحماية أمنه وأمن مستوطنيه... زيادة الحصار المفروض على قطاع غزة، وتشديد الضغوط الاقتصادية والمعيشية على الشعب الفلسطيني، لاحتواء المقاومة وخنقها، وتشويه صورة المقاومة في غزة ومحاصرتها، وتفريغها من مضمونها، ومحاربة كل من يدعمها».

في ضوء تشخيص تلك المخاطر، المرتكزة على تلك المسيرة التاريخية لمثل تلك الصفقة، تبرز أهمية وضع السيناريوهات المحتملة التي ستفرزها محاولات تمريرها، وخطط مواجهتها في آن. ولا بد لمن سيضع مشروعات المواجهة أن يقرأ بتمعن، ما تخفيه تلك «الصفقة» بين سطورها، يقوم على التفكير في خطة استراتيجية قابلة لتطبيق، بعيدة عن الانفعال الآني، المنجرف وراء سيطرة موجات عاطفية، ربما قادرة على مخاطبة اندفاعات الشارع العربي، وخاصة الفلسطيني منه، وتخفف من آلامه، لكنها لا تأتي بالحل المنصف المطلوب الذي يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه الكاملة، ويسترجع من خلاله العرب تلك الأراضي التي احتلها الصهاينة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها