النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11521 الجمعة 23 أكتوبر 2020 الموافق 6 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية (19)

رابط مختصر
العدد 11274 الخميس 20 فبراير 2020 الموافق 26 جمادى الثاني 1441

يحدد الروائي جورجي امادو القرن التاسع عشر بعبارة «اكتشاف» مؤسسة الهجرة القادمة من بلدان الامبراطورية العثمانية التركية الآفلة، التي يمثل اغلبها عرب، والتي لعبت دورًا هامًا وتطوريًا في تقدم البرازيل، وكل دول أمريكا التي هاجروا اليها. ومصطلح «اكتشاف» الذي يطلق تاريخيًا، ودون أي نقد منطقي، على الفترة الحالية، كان موجهًا دائمًا الى وصول الحملات الاسبانية والبرتغالية الى العالم الجديد (تشكل اكتشاف القارة الاوروبية بمثابة العالم القديم، غير أن اكتشاف الامريكيتين أفرز مصطلح العالم الجديد على ذلك الاكتشاف) غير أن المفهوم /‏ المصطلح عند امادو يشير الى إدراج العناصر العربية في منطقة برازيلية في حالة تطور كامل، والتي فيها كان يستغل كدخل رئيس الكاكاو المرغوب. والمسمون «بالأتراك» جزء من المجموعات البشرية، التي بمجرد وصولها من مناطق جغرافية وثقافية نائية، أعدوا أنفسهم لتحسين مستوى حياتهم الفقيرة، في أرض جديدة وباحتمالات اقتصادية ناشئة. يختمها امادو بعبارة ملهمة في الفصل التقديمي لكتابه حين يقول: «أنا هنا لأحكي ما حدث لجميل بشارة ورضوان مراد وعرب آخرين أثناء اكتشاف البرازيل الكامل في بدايات القرن. 

لقد كان الأوائل الذين جاؤوا من الشرق الأوسط يحضرون معهم أوراقًا من الامبراطورية العثمانية، ما تسبب في وصفهم بالاتراك، والامة التركية الطيبة، إحدى الأمم الكثيرة التي شكلت، وتشكل الأمة البرازيلية». 

غاص امادو في تفاصيل العادات العربية وخصوصية العرب الوافدين للبرازيل فخصائص الشخصيتين الرئيستين مثيرة للانتباه: رضوان رجل متعلم وصاحب نثر جذاب وهارب من العدالة، التي تطارده لكسله وإدمانه للعب الورق «فيما الآخر» اللبناني المولد والعقيدة رجل خصب الخيال، إنه العربي النمطي الذي يسرد الحكايات ويتلو القصائد الشرقية الكلاسيكية على أصحابه العابرين. وبكل وعي يصبغ الروائي إحدى الشخصيات التي تمثل النمط الثقافي للتقاليد العربية، فرضوان مراد يتلو قصائد ذات محتوى شهواني ينشد فيه المتعة والرغبة «قصائد عشق، بعضها عن اشتهاء الجواري الملموس وعن الخمر، كان يقولها باللغة العربية وبالفارسية. رغم جهل المستمعين للغة الفارسية ولعمر الخيام، غير أن الايقاع كان يحرك مشاعرهم، يخفف عنهم عناء الابحار القاسي، كما كان يرفع من شأن رضوان مراد». 

تزدهر الاختلافات في بناء الشخصيتين من خلال مؤشرات متعددة مثل - الجنسية، دين المنطقة، العمر والمستوطنات – يجيد امادو وصفها بدقة خاصة التصالح، بحيث لا تصبح الاختلافات عائقًا أمام الصداقة الناشئة على ظهر المركب الذي حملهما الى الشواطئ البرازيلية: جميل ورضوان يولدان في أرض مختلفة، مع انهما يتحدثان نفس اللغة، السوري مسلم يستخدم في الرواية مصطلح «محمدي» والذي استخدمه الرحالة والمؤرخون الاوربيون في القرن الثامن والتاسع عشر - من طائفة الشيعة، بينما اللبناني «ولد في عائلة مسيحية مارونية». هكذا يصفهما امادو في الرواية لكن «معاملة الحياة وعادة قراءة الكتب» تحوّله الى «مادي جاف تقريبًا». دون أن تفوت امادو ملاحظاته اللماعة في وصف الشخصيتين حين يقول: «من المناسب أن نتوقف هنا، فما من حالة كانت فيها الشخصيات المبنية كمراقبة للعقيدة: قد ورثت بطريقة رسمية دين الآباء، غير أن لديها هدفًا، مثل كل وافد، هو البحث عن الثروات المادية، عبر الطريق الاكثر ملاءمة لظروفها. هكذا يتميز (جميل) بأنه الرجل الذي لا يصدر أحكامًا دينية عندما يتعلق الأمر بكسب الأموال». 

وفي مكان آخر من الرواية، نقابل دنسًا آخر ارتكبه جميل في صراعه من أجل البقاء في الارض التي اختارها لينتصر على الفقر: «عبر الغابة واستولى عليها، مشتريًا الكاكاو بسعر رخيص: تعلم ممارسة اللغة، ومارس المحاسبة والطب، وأقام علاقات وصداقات، وعمّد أبناءه على الدين الكاثوليكي... وليقدر الله موقفي ويغفر لي». هكذا يهمس في داخله حينًا وبصوت عالٍ حين آخر، كونه استبدل دينه من آجل غايات ومصالح جديدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها