النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

كتاب الايام

وداعًا أبا نايف

رابط مختصر
العدد 11273 الأربعاء 19 فبراير 2020 الموافق 25 جمادى الثاني 1441

 إذا كان تغييب الموت أيًا كان من أفراد أسرة ما سببًا لترك الحسرة والألم في قلوب الباقين من أفراد أسرة الميت وأهله وصحبه، فإن حدث الموت في ذاته واحدة من المسلمات التي فطر الإنسان على قبولها من دون أن يعترض أحد عليه منذ بداية الخلق. منذ الأزل كانت للموت هيبته ومكانته القدسية، وهي مكانة لم تفت فيها آثار تطور بني الإنسان؛ لأن العقل البشري الذي فك كثيرًا من المغالق وحل عديد الألغاز والأسرار ظل عاجزًا عن قهر الموت ومغالبته، ولم يملك من أمره إلا تأمل هذا الحدث الجلل واعتباره قدرًا قاهرًا نأباه ونخشاه ولكننا نذعن لسلطانه إذعانًا يشهد به سلوكنا الطقوسي عندما نصطدم به. الموت كان دائمًا سببًا لقلق دائم لدى الإنسان في حياته؛ لأنه قدر محتوم، لن يفلت منه أحد حتى وإن كان هذا الأحد أغنى الناس وأقواهم وأشدهم وأكثرهم وجاها ومكانة على وجه الأرض، يستوي أمام سلطانه الفقير والغني والكبير والصغير والجميل والقبيح، فلا رادع له ولا رادَّ له، ولن يستطيع أحد رشوته أو عقد صفقة معه ليؤخر مجيئه أو ليقدّمه فهو يأتي من دون أن يبعث بمؤشرات أو رسائل.. قد تكون الحوادث سببًا له وقد لا تكون، وقد يكون المرض سببًا وقد لا يكون، وقد تكون الحروب وقد لا تكون. الموت يأتي ساكتًا لا ليفاجئ الميت وإنما ليفاجئ أهل الميت.

 الموت حالة باتت تداهم الإنسان من حيث لا يدري. الموت هو الحقيقة الثابتة التي تقابلها حقيقة الحياة، ولكل حياة نهاية اسمها الموت. فلا حياة بلا موت ولا موت بلا حياة. الشيء الذي يتفرد به الموت عن الحياة هو أن الكل يتساوى أمامه. مقدمة مقالي تأملية كئيبة بلا شك، وإني لأعلم ذلك وأستميح القارئ عذرًا إن أدخلته معي في وحشة تأمل الموت والحديث عنه، لكن المقام فرض عليَّ الكتابة في وعنه؛ لأرثي عزيزًا رحل عن دنيانا إلى دار البقاء فجرني بموته إلى تأمل سطوة الموت. الفقيد بالنَسب إبن خال أبي، وهو في واقع الحياة العملية بمنزلة العم لي والأخ الكبير والنافذة التي أطل منها إلى الماضي لأتنفس منه شيئًا من نقاوة هوائه، فجعني رحيله وآلمني ولم يفاجئني، أحزنني ولكنه أيقظ فيَّ بعضًا مما كنت أرصده من صفات هذا الإنسان الكريم خلقًا، والجميل سلوكًا، وأضمره، ولم يتسنَ لي البوح به إلا رثاء عماده تعديد المناقب والمآثر، وتعبير عن الوعي بحالة من الفقد ما إن ندركها حتى تتجلى لنا مناقب كنا نعايشها من دون أن نمدح صاحبها أو نذكرها. 

 ما كان صمت فقيدنا الغالي الطويل الذي استمر زهاء عام بسبب المرض إلا استمرارًا لحديثه الهامس أبدًا عندما كان يرى أن لحديثه ضرورة. كان وقورًا في إنصاته وفي حديثه، وكذلك في تأمله لما يجري من حوله وفي محيطه. راجح العقل في قراراته، يجيد صناعة السلام لنفسه ولمن حوله. كان يتحلى بجملة من الصفات الإنسانية النبيلة، فلا أتذكر يومًا واحدًا رأيت فيه أبا نايف متسرعًا في قول شيء ما، أو مجادلاً في أي موضوع.. يضيق ذرعًا بالضوضاء والصخب.. لا يتدخل في شؤون الغير.. لا يحتمل الاختلاف العنيف.. هادئ الطباع.. دائم الابتسامة. ما رأيت أبا نايف قط مستعجلاً في سيره على قدميه، بل رأيته في حالة شرود ذهني يتأمل خطواته التي يخطوها ذهابًا وإيابًا إلى المسجد، وكأنه يذكرني بقول المعري: خفف الوطء.. فما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد.

 ما كانت كلماتي السالفة إلا ترجمة بالقول لصورة ذهنية منقوشة في الذاكرة أحتفظ بها على امتداد مراحل عمري الأربع منذ كان «البيت العود» عامرًا بأهله ضاجًا بالحركة والحياة وما تزال تلك الصورة قائمة في الذهن حتى بعد أن أصبح «البيت العود» ذكرى تأبى أن تنطمس، فهي تنبعث في التو والحال صورة حيّة بمجرد أن تلمح أحدا من رموز ذاك البيت العتيد، وليست هذه الكلمات التي أكتبها هنا إلا تعبيرًا عن جسامة الفقد للراحل أحمد بن جاسم الشروقي، «أبو نايف» رحمه الله، الذي غادرنا يوم الاثنين الماضي تاركًا خلفه أسرة يغمر الحب أفرادها، وسيرة عطرة وسجلاً أخلاقيًا عامرًا وإيمانًا مطلقًا بالحياة والموت من دون زيف.

 «البيت العود» كما هو معروف عند أهالي قلالي القديمة هو بيت خوال أبي، وأهل هذا البيت حالة من العشق لا تنتهي لدى جيلي والجيل الذي من بعدي، نسج خيوطها آباؤنا وأجدادنا، ونحن ما نزال نحافظ عليه قدر المستطاع، فإن تفقد واحدًا من هذا البيت العتيد فهذا والله ما يسبب الألم، ويترك حزنًا غائرًا. رحمك الله أبا نايف وألهم زوجتك «أم نايف»، وابنتك وابنك وأحفادك وأهلك وكل محبيك الصبر والسلوان. وأطال الله في عمر من بقي من أركان «البيت العود».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها