النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11415 الخميس 9 يوليو 2020 الموافق 18 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

فيروس كورونا وفيروس الإنسان

رابط مختصر
العدد 11273 الأربعاء 19 فبراير 2020 الموافق 25 جمادى الثاني 1441

أسماء وضعناها لِنُعَرِّفَ الأشياء بطبيعتها ولنميز تلك الأشياء بعضًا عن بعضها، لأننا مجبرون وملزمون بالتعامل والتعايش معها، فالطبيعة تفرض على الكائنات الحية، والإنسان بينها، منتوجاتها البيولوجية وليس أمام وعي الإنسان وعظمة فكره خيار سوى الانصياع بالسمع والطاعة رغم سعيه العنيد غير الحكيم لتطويع قوانينها والتطاول على حرمة الطبيعة وانتهاك جماليتها واستنزاف الموارد من كنوزها وهدرها وحرمان الأجيال القادمة من نعمها؛ وبعض تلك الأسماء لها وقع الرهبة في نفس بني البشر، فكلمة «فيروس» توحي بالرهبة وبالخطر الداهم على الإنسان، ويسترجع الإنسان منها ذكريات الماضي من تلك الأوبئة التي حصدت نسبًا عالية من تجمعات بني البشر، مثل الطاعون الأسود الذي طعن الجسم الأوروبي في القرن السابع عشر الميلادي وحصد من البشر أكثر من نصف سكان القارة الأوروبية. هذا الفيروس المرعب للإنسان ليس سوى أخ أو أخت للإنسان في ملكوت الطبيعة، فكلاهما خرج من رحم الطبيعة، والطبيعة لا تفرق ببن مولود لها وآخر؛ كلاهما منتج بيولوجي في مصنع الطبيعة، والطبيعة هي الأم التي ولدت الحشرة و الإنسان، والفيروس والبكتيريا، وكائنات بيولوجية من مختلف الأحجام، والأحجام تتفاوت، بالنسبة لمدى البصر عند الإنسان، بين مرئي وغير مرئي... والكائنات المرئية لها قياساتها المتفاوتة، والكائنات غير المرئية كذلك لها قياساتها المتفاوتة التي لا تُرَىْ معظمها إلا بأجهزة مكبرة ألوف المرات، ومن الكائنات غير المرئية تلك التي يستحيل على الإنسان سبر غور أحجامها لأنها في حاجة إلى التكبير تتخطى مليارات المرات، وبهذا البعد في التصور عن إمبراطورية الطبيعة وصناعاتها البيولوجية فإن الإنسان ليس سوى صنف بيولوجي واحد وهو فرد في عائلة بيولوجية ضخمة واحدة تعيش في أمبراطورية الطبيعة. بين الإنسان من جهة وبقية الأعضاء في العائلة البيولوجية هناك فارق نوعي له علاقة مصيرية بسلامة الطبيعة و جمالها و كمالها. 

الفارق النوعي بين الإنسان وبقية الكائنات في هذه العائلة البيولوجية هو أن نشاط الإنسان يتسم بالخيانة لبقية أفراد العائلة، إضافة إلى ما ينتج عن هذا النشاط من تمرد على امبراطورية الطبيعة... جميع الكائنات الحية تتعامل مع الطبيعة و فيما بينها حسب ما سنته الطبيعة من قوانين، فهي تأكل بعضها بعضا وتصارع بعضها بعضا في إطار هذه القوانين، إلا الإنسان فإنه يتعامل مع الكائنات، التي هي في متناول يده ومقدرته، بقوانينه الخاصة - قوانين الفكر - ضاربًا قوانين الطبيعة عرض الحائط، وبروح من التفاخر والتباهي والترفع على أفراد العائلة البيولوجية، وبأدوات مبتكرة (عجلة الصناعة الجبارة) تلحق الأذى بالطبيعة ذاتها؛ فقد تسبب الإنسان في تلويث البيئة وإصابة الطبيعة بأمراض مزمنة وهي كثيرة وفي تزايد، وأكثر هذه الأمراض الملموسة هي الارتفاع المضطرد لدرجة حرارة جو الكرة الأرضية والتسبب في القضاء على الطبيعة الجليدية في القطبين، وإحداث ثقوب كبيرة في طبقة الغلاف الجوي (الأوزون)، وهذه الثقوب في تكاثر وتوسع أكبر، رغم أن الهدف الطبيعي من هذه الطبقة من الغلاف الجوي هو حماية الإنسان والعائلة البيولوجية ضد الإشعاع الكوني القاتل للحياة، وغيرها من الأمراض في جسم الطبيعة وهي كثيرة وفي تكاثر. بينما جميع الكائنات الحية، بما فيها جميع أنواع الجراثيم والبكتيريا والفيروسات تقوم بدورها الطبيعي و حسب قوانين الطبيعة ولا تتسبب في إلحاق الأذى بالطبيعة ولا إصابة الطبيعة بأي نوع أو شكل من الأمراض؛ واختصارًا لرسم الفارق بين الإنسان والكائنات الأخرى مع الطبيعة، فإنه من المهم و الجوهري إدراك أن الفيروسات المرعبة!!! ومنها فيروس الكورونا تقوم بدورها الطبيعي ولا تخل بقوانين الطبيعة، و هي وإن حاربت الإنسان وصرعته وهزمته وقضت عليه ومحته من الوجود، فإنها تكون قد فعلت ذلك في إطار قوانين الطبيعة واحترام العائلة البيولوجية، ولكنها، بكل ما تحدثه من رعب في كيان الإنسان، فإنها لا تتعدى على ملكوت الطبيعة ولا تخون العائلة البيولوجية؛ إن الذي يجب أن يدركه الإنسان، حتى يتأدب في تعامله مع الطبيعة، هو أن الإنسان بالنسبة للطبيعة لا شيء سوى عضو في عائلة بيولوجية جبارة يمكن الاستغناء عنه إذا اقتضت مصلحة الطبيعة في ذلك، وللطبيعة أدوات كثيرة وهي قادرة على توليد أدوات جديدة إن رأت ضرورة لذلك. هذا لا يعني أن بقية الأعضاء في العائلة البيولوجية تعيش مع بعضها في سلام و وئام، بل أن الكائنات البيولوجية، في إطار العلاقة فيما بين النوع الواحد وفيما بين الأنواع الأخرى، و في إطار العلاقة مع البيئة المتغيرة في الطبيعة، بل أن كل الكائنات البيولوجية تعيش صراعًا دائمًا من أجل البقاء؛ فالصراع من أجل البقاء مبدأ طبيعي بمقتضاه يؤمن الكيان البيولوجي إستمرارية وجوده. والصراع في اتجاهين، اتجاه داخلي بين الكيانات ذاتها واتجاه خارجي بين الكائنات والمحيط (البيئة) المتغير في الطبيعة. فمن الطبيعي إذًا أن تنقرض بعض الكائنات البيولوجية في معمعة هذا الصراع الملازم للأعضاء في العائلة البيولوجية، وهو الانقراض الطبيعي الذي لا يؤثر سلبًا على مملكة الطبيعة  فعلى سبيل المثال فقد كان هناك جنس بشري مختلف عن الجنس البشري السائد اليوم، يعرف بجنس النياندرثال Neanderthal، عاش مع الإنسان العصري، والذي يصنف بجنس الإنسان الذكي homo sapiens، زهاء ثلاثمائة ألف عام، إلا أن هذا الجنس البشري لم يستطع تأمين الاستمرار لوجوده في ملكوت الطبيعة فانقرض قبل ما يقارب الثلاثين ألف سنة.

الصراع كمبدأ فطري من أجل البقاء لا يقصد منه أن يكون على حساب الأنواع الأخرى من الكائنات الحية... الصراع، بمفهومه الطبيعي وفي إطار قوانين الطبيعة، لا يعني أن بقاء نوع يقتضي بالضرورة انقراض نوع آخر أو أنواع أخرى، وهكذا فإن الصراع من أجل البقاء لا يتضمن مقصدًا مسبقًا ولا نية مبيتة للقضاء الانقراضي على عضو آخر في العائلة البيولوجية، إنما الانقراض إن حصل فبسبب عجز طبيعي في المقومات الموروثة والمكتسبة في كيان ذلك العضو أو الجنس، مثلما حصل مع الجنس البشري نياندرثال قبل ثلاثين ألف سنة.

الدراسات التي اقتضتها حالة البيئة وأمراض الطبيعة بفعل أنشطة الإنسان مخيفة، و هي تبلغ رسالة تحذيرية لبني البشر؛ تفيد هذه الدراسات بأن التنوع البيولوجي الحالي هو نتاج تطورات متلاحقة خلال 53 مليار سنة، وأن العدد الإجمالي للأنواع يقدر بحدود 14 مليون نوع، وأن النسبة المئوية المدروسة منها لا تتعدى 13%، وأنه بين جملة البيانات والحقائق فإن نشاط الإنسان، والإنسان فقط، قد أدى إلى انقراض 816 جنسًا خلال الخمسة قرون الأخيرة... فالإنسان بنشاطه الأناني هو الجنس الوحيد في العائلة البيولوجية الذي يدمر الأجناس الأخرى ويلقي بها في تهلكة الانقراض في مملكة هو العضو المفكر الوحيد فيها، فكل أنشطة الفيروسات والبكتيريا والجراثيم والأوبئة ليست بشيء تستحق الذكر والخوف والرعب مقارنة بنشاط الإنسان ضد نفسه وضد الطبيعة التي خرج من رحمها. إن نشاط فيروس كورونا، وجميع أخوة هذا الفيروس، لا يساوي جزءًا من ذرة مما يفعله الإنسان من جرم و بسبق الإصرار وبوعي فكري كامل ضد الحياة على الكرة الأرضية. فالفيروس بريء ومسكين أمام جرائم الإنسان، والفيروس المسكين أقل وطأة على الإنسان من الإنسان على الإنسان.

الطبيعة في كاملها هي بتعدد و تنوع كائناتها، وقوانين الطبيعة، في ذات الطبيعة، تعمل على قاعدة تعادلية تحفظ التوازن الطبيعي بين الكائنات من أجل بقاء الكائنات وتنامي تعددها وتفادي انقراضها غير الطبيعي... وإذا حصل خلل في تعادلية الميزان فإن القوة الفطرية الكامنة في شبكة العلاقة بين الكائنات البيولوجية تتحفز وتنشط لإعادة التعادلية في ميزان الطبيعة، والقرار الفطري قد يقتضي ترويض أو القضاء على نوع بيولوجي يعمل خارج السرب البيولوجي والذي لا يلتزم ولا يحترم قوانين الطبيعة.... 

فلا عجب إذًا، أن نشاط القوة الفطرية الكامنة في شبكة العلاقة بين الكائنات البيولوجية، من أجل المحافظة على الكل، قد ينتج عنه (أي نشاط القوة الفطرية) انقراض نوع خرج عن السرب... الإنسان، هو النوع البيولوجي الوحيد الذي يطير خارج السرب، ويتسبب في انقراض أنواع بيولوجية كثيرة خارج مبدأ الصراع من أجل البقاء؛ فنشاط الإنسان، الاقتصادي والصناعي والسياسي والحربي والترفيهي والتكنيزي، يخل بمبدأ الصراع من أجل البقاء، ويخلق مبدأً مناقضًا آخر وهو البقاء من أجل الصراع، وهنا تأتي الطامة الكبرى من الإنسان ضد الطبيعة، والطبيعة لن تسكت على هذا الاعتداء الغاشم، فلها قوانينها وأدواتها وقرارتها وكلماتها... وقد تكون الأوبئة والطواعين وموجات الهجمات الفيروسية إحدى تلك الكلمات، و هكذا كلمات تأتي على مراحل، تبدأ بالتحذير وقد تنتهي بما لا يحمد عقباه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها