النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11373 الخميس 28 مايو 2020 الموافق 5 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:24PM
  • العشاء
    7:54PM

كتاب الايام

ما حققته ثورة العراق

رابط مختصر
العدد 11269 السبت 15 فبراير 2020 الموافق 21 جمادى الثاني 1441

تبدو الثورة العراقية استثناءً، وأشد تعقيدًا من الثورات العربية الأخيرة بسبب وضعها الجيوسياسي الخاص وتعقيدات الوضع الداخلي، وشراسة السلطة العراقية التي تتغذى من النظام الإيراني وتسير على منواله في قمع الثورات. 

شهداء الثورة العراقية هم الأكبر عددًا بين الثورات العربية، وحسب آخر إحصائية أصدرتها الحكومة العراقية قبل كتابة هذا المقال بلغ عدد القتلى الشهداء 556 شخصًا، وعدد الجرحى 24 ألف جريح، مع الأخذ بعين الاعتبار أن السلطات الشرسة غالبًا ما تصدر أرقامًا مموهة لتخفيف آثامها وجرائمها. 

واجهت هذه الانتفاضلة الباسلة منذ البداية مقاومة شرسة من عدة قوى وجهات في وقت واحد، وتعددت وتنوعت وسائل قمعها وكانت هي الأكثر عنفًا، فالقوى الأمنية طوال شهور الانتفاضة الأربعة حصدت مئات الأرواح، وجماعات الحشد الشعبي المسلحة (عدا القوات الأمنية) أودت بأرواح عشرات المتظاهرين في عدة محافظات، والوسيلة الثالثة لقمع الثورة تمثلت في قتل واختطاف العشرات من الناشطين البارزين في الانتفاضة، ورابعًا قُتل آخرون برصاص القناصة وهي الوسيلة الإضافية للقتل والإبادة.

كل هذا البطش العنيف والدموي لم يحدث مثله في الثورات العربية، وهو يوضح أولاً هوية السلطة العراقية الفاسدة واستبدادها، والسلوك العنيف المتفنن في القمع والإبادة السريعين. لكن الثورة لم تتراجع واستطاعت أن تحقق بعض أهدافها خلال الأربعة شهور الماضية، حتى أصبح المشهد الآن (رغم الظروف الصعبة المعقدة) مختلفًا تمامًا وفي صالح الحراك. انتهت أولاً حكومة الفساد بقيادة عبد المهدي، وثانيًا فأحزاب الفساد والموالاة لإيران بإسراف ووضوح وُضعوا في زاوية ضيقة أمام الضغط الشعبي المتواصل رغم البطش الشديد، لكن القوى والأحزاب السياسية الحاكمة لم تستسلم وما زالت تمارس الضغوط وتطلق بالونات الاختبار، وترسل رسائلها إلى رئيس الوزراء الجديد المكلف بتشكيل الوزارة القادمة محمد توفيق علاوي ليرشح لحكومته التابعين والقريبين منها. 

ولا شك فمهمة رئيس الحكومة الجديد صعبة ومعقدة، فالمطلوب منه أن يرضي طرفين متناقضين ومتعارضين، الحراك الشعبي والسلطة القديمة. لكن الحراك في الغالب يعارض ترشيح محمد علاوي باعتباره (حسب رأي الحراك) قريب من السلطة السابقة، وكان وزيرًا فيها. رغم أنه منذ البداية أعلن تأييده المطلق للمتظاهرين، كما صرح بأنه سيبدأ لقاءاته ومشاوراته بالمتظاهرين أولاً قبل الكتل السياسية ليأخذ بتوصياتهم ورغباتهم قبل كل شيء، وهذا التوجه العادل (كما أعتقد)، فمحمد علاوي قد يفتح باب التوافق بين الجهات الرسمية وجهات الانتفاضة التي وضعها في الاعتبار الأول وهو يدرك تمامًا، كما ظهر من تصريحاته أن نجاحه يعتمد على إرضاء الحراك الشعبي بالدرجة الأولى، فالموازين الآن (بعد صمود سلمي طويل ومثابر للانتفاضة) تميل إلى كفة هذا الحراك. 

الثورة تتقدم إذن وإن بخطوات بطيئة لكنها مدروسة ومنظمة وواعية وستؤتي ثمارها مع الوقت ومع الصمود. المهمة لم تنتهِ بعد، وما تحقق هو قليل من كثير تريده الانتفاضة التي تلح على شعار التغيير الشامل. وحتى هذه الأيام استطاعت الانتفاضة أن تحقق عدة إهداف تمثلت أولاً في إسقاط النظام الفاسد، وثانيًا في الحصول على تشريع نظام جديد للانتخابات القادمة يتفادى ثغرات النظام القديم الذي فرضته القوى السياسية السابقة وفصلته على مقاساتها، وهي مقاسات تحقق لها فرص السيطرة والعبث بالبلاد كما أكدت سنينها الفاشلة في الحكم، بالإضافة إلى هذا فالانتفاضة ثالثًا فرضت مفوضية للانتخابات تتألف من جهات نزيهة وبعيدة عن الشكوك حتى لا تمر العناصر الفاسدة إلى السلطة التشريعية مرة أخرى، ومن أجل مجلس نيابي يمثل الشعب حقًا وليس شكلاً. ورابعًا فالحراك الشبابي أيضًا أنجز أهدافًا أخرى لا تقل أهمية عما ذكرت، فالطائفية التي دمرت العراق، وأنجبت حكومات فاسدة متتالية منذ العام 2003 انهزمت وتراجعت في الظل وأضحت قيد الاحتضار. كما يُحسب لهذه الانتفاضة خامسًا استعادة الهوية العربية للعراق. العراق الذي له منزلة رفيعة خاصة في قلوب العرب في المشرق والمغرب، فبغداد هي عاصمة العصر الذهبي للعرب في صدر الدولة العباسية التي ازدهرت فيها الثقافة والعلوم والمعارف والفلسفة والطب والموسيقى. وكانت بغداد عاصمة هذه الإمبراطورية العربية التي امتدت في أطراف واسعة من العالم. 

ومن هنا، في بغداد كان هارون الرشيد يطل من شرفة قصره ويخاطب غيمة عابرة قائلاً بزهو، (أينما ستذهبين فسيأتينا خراجك)، وهنا في بغداد المجد العربي كانت مكتبة بيت الحكمة الإسطورية، أم المكتبات في العصر الوسيط. وهنا عاش المتنبي يتنقل بين الكوفة وبغداد وينشد أشعاره الخالدة، ومن هنا صدرت كتب أبو حيان التوحيدي الفلسفية. وكانت حضارة الأندلس تعتمد على مؤلفات بيت الحكمة التي نسخت منها الكتب الكثيرة لتبني صروحًا شاهقة في الثقافة والعلوم للعرب في الشمال على بوابة أوروبا. 

العراق كبير وتاريخه عريق ويستعصي على الأحلام المريضة لأعداء العرب الذين يريدون استلابه والاستحواذ عليه وجعله ذيلاً لهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها