النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11319 السبت 4 ابريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

رابط مختصر
العدد 11266 الأربعاء 12 فبراير 2020 الموافق 18 جمادى الثاني 1441

كلمة «بريكسيت» (Brexit) دخلت القاموس السياسي عبر بوابة بريطانيا، وهي فتحة بين فتحات عدة في سور الاتحاد الأوروبي؛ بريطانيا فتحت بابًا لها في البيت الأوروبي عام 1973 وأغلقت الباب عام 2020، بعد استفتاء شعبي عام 2016. في اليوم الأخير من شهر يناير عام 2019 كان الاجتماع الأخير للوفد البريطاني مع بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي معلنين فيه رسميا انسحاب بريطانيا من الأسرة الأوروبية؛ لحظات الدخول و الخروج، أو الانضمام والانسحاب من تجمعات أو اتحادات دولية أو إقليمية أمور طبيعية وليس فيها من جديد أو ما يلفت الانتباه، إلا أن الوفد البريطاني في لقاء الانسحاب تصرف بسلوكية شاذة ودرامية شكسبيرية مشوهة وهو يغرد خارج السرب بآلية مقصودة كمن يحمل في نفسه الحقد والضغينة وكان ينتظر بفارغ الصبر لحظة الخروج، ولسان حاله قول المتنبي: «وَمِن نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ... أَن يَرى عَدُوًّا لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ»؛ ومثل الممثل المسرحي الذي يخرج عن النص لا من أجل إضافة إبداعية ولكن نكاية بالمسرحية و استهزاء بالممثلين. وقف رئيس الوفد وخلفه بقية أعضاء الوفد ملوحين بالعلم البريطاني، كل عضو بيده علم يلوح به، كمن يقول «ها نحن اليوم بعد صراع مرير وسنين كنا نسقى مر الحنظل خلالها قد استعدنا حريتنا و كسرنا طوق العبودية عنا»؛ هكذا كانت لحظة خروج الوفد البريطاني من آخر اجتماع مع الوفود الأوروبية، حتى أن رئيسة الجلسة ميريد ماكغينيس قالت لهم بحدة: «اخرجوا... اتركونا وخذوا أعلامكم معكم». مع الأسف فإن مسلكية الخروج لم تكن في مستوى التحضر الأوروبي!!! هذا التحضر الذي يتباهى به الأوروبيون وتنخدع به شعوب العالم، و لكن لحسن الحظ وطمسًا للأسف فإن لحظات المحك تخرج العيوب من جحورها المطمورة. لا يمكن فهم هذا الأسلوب الدرامي - العدائي في لحظة الخروج... وكأن بريطانيا كانت مستعمرة أوروبية فتحررت وابتهجت برفع الأعلام إشارة إلى الانتصار على الاستعمار... أو أن الأسلوب تغطية لخطأ كبير يصعب التراجع عنه... أو بكل بساطة إنه بعض من بقايا العنجهية البريطانية بعد أن فقدت بريطانيا المستعمرات والأصدقاء وهي الآن تبلع ورطتها متظاهرة بالنصر المبين...أو إنه أسلوب الخاسر الذي يريد أن يوحي للآخرين بأنه المنتصر... 

لا يمكن فهم مسرحية الطلاق بين بريطانيا وأوروبا بدقة، فبينهما تاريخ طويل من العداء قبل التقارب بعد الحرب العالمية الأولى والتحالف بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن يبدو أن التحول التاريخي بعد انتهاء الحقبة السوفياتية قد أسهم في إزالة بعض من الغبار عن عمق الخلاف البريطاني - الأوروبي، وقد يكون للجغرافيا دور في هذا التباعد في القارة الأوروبية بين بريطانيا من جهة وبقية دول أوروبا من جهة أخرى، فبريطانيا هي الدولة الوحيدة في هذه القارة التي يحيط بها البحر من جميع الجهات، وهذا عزل مائي - جغرافي بين كيانين... ولكن، بالرغم من الجغرافيا والتاريخ والسياسة، والتحالف والعداء، فإن مسرحية خروج بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوروبي تبعث على الشفقة مع بعض من الاشمئزاز، وكشف عن عورة الحضارة في الجسم البريطاني. 

بريطانيا عند دخولها الاتحاد الأوروبي عام 1973 أصدرت عملة 50 بنسًا عليها نقش يمثل تسعة أياد متشابكة، تعبيرًا عن فرحة الدخول في الأسرة الأوروبية، و عند خروجها من الاتحاد الأوروبي عام 2020 أصدرت عملة 50 بنسًا لتخليد ذكرى الخروج من الأسرة الأوروبية... واختيار عملة بهذا القدر البسيط والمتواضع من القيمة المالية له رمزية وطنية، لأن هذه العملة هي التي يمكن أن تكون في يد الكبير والصغير والشحات والثري، وبهذه الرمزية فإن العملة تحمل رسالة إلى جميع الشعب دون استثناء، الأمي والمتعلم، المتابع للأخبار وغير المبالي للأخبار... 

بين الدخول والخروج هناك اختلافات جوهرية أقرب إلى التناقضات التي قد تتطور إلى الانقسام والتقسيم؛ فالدخول كان برغبة وحماسة، رغم المعارضة الفرنسية، وكان شبه إجماع شعبي نسبته 67%؜ يزين فرحة الانضمام إلى الأم أوروبا، حتى أن الصحافة البريطانية وصفت ذلك اليوم باليوم التاريخي والعظيم في تاريخ بريطانيا، وجريدة الغارديان زينت صفحتها الأولى بهذا العنوان: «بريطانيا العظمى تنظم إلى أوروبا آلأعظم»، وكان يومًا مباركًا للطبقة العاملة البريطانية التي حصلت بفضل هذا اليوم على يوم إجازة كل عام في الأول من يناير، فبريطانيا كانت الدولة الوحيدة بين جميع دول أوروبا التي لم تعطِ العمال إجازة في اليوم الجديد من كل عام (أمر غريب رغم أن بريطانيا هي رائدة الديمقراطية والقانون والحقوق المدنية، ولكن بريطانيا، حالها حال غيرها، ليست استثناء خارج قاعدة «لكل حصان كبوة»). الشعب البريطاني احتفل بزواجه من أوروبا إحدى عشر يومًا، في أجواء من الغناء والرقص والمعارض الفنية والمسارح. إن احتفالية الزواج البريطاني - الأوروبي كان على شاكلة زواج ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز بالأميرة الجميلة ديانا، ومثلما لم يكتب لزواج الأمير والأميرة النجاح كذلك لم يكتب النجاح لزواج بريطانيا والاتحاد الأوروبي. أما الخروج فلم يحظَ بإجماع الدخول، والفارق في التصويت بين الخروج والبقاء كان أقل من 2%؜، حيث التصويت على الخروج حظي بنسبة أقل من 52%؜، وترك الشعب البريطاني مقسمًا على نفسه مما دفع برئيس الوزراء بوريس جونسون الدعوة إلى الوحدة، خاصة وأن مراكزًا انتخابية مهمة صوتت للبقاء في الاتحاد الأوروبي؛ مدينة لندن ومقاطعة اسكتلندا وإيرلندا صوتت بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، وهناك مخاوف من أن بريطانيا مهددة بالتقسيم بعد هذا الخروج، ولقد تصاعدت أصوات الوطنيين الانفصاليين في اسكتلندا من جديد وبحدة أشد تطالب بالانسحاب من بريطانيا، وكذلك الحال مع إيرلندا، وكلتاهما راغبتان في البقاء ضمن الأسرة الأوروبية والمشاركة الفعالة في منظومة الاتحاد الأوروبي، رافضتان فرض الوصاية الإنجليزية عليهما، وكذلك العاصمة لندن، فهي في واد غير واد الخروج، لا على الأسرة الأوروبية ولا عن منظومة الاتحاد الأوروبي، وعدم التوافق لم يكن فقط مناطقيًا بل كذلك طبقيًا.

إن خروج بريطانيا بهذا الشكل المسرحي وفي غياب توافق وطني لهو تعبير يشير إلى أن بريطانيا أمام منعطف طريق ملامحه البارزة تقسيم طبقي وانقسام سياسي، وكل منهما أسوأ من الآخر؛ وهذا يعني أن الخروج من بعض جوانبه كان يهدف إلى التغطية، أو إخفاء، على حالة الانقسام التي يستحيل تجنبها. فخروج بريطانيا أو بقاؤها في الاتحاد الأوروبي لا يغير من واقع الانقسام فيها، بل أن الخروج، على ما يبدو، قد وسع الفجوة بين الأطراف المنقسمة... بريطانيا اليوم تعيش على صفيح ساخن إذ إن عزل نفسها عن الأم أوروبا قد زاد من حدة حرارة النار تحت الصفيح...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها