النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

الكويت.. وتجربة تحت النظر..!

رابط مختصر
العدد 11265 الثلاثاء 11 فبراير 2020 الموافق 17 جمادى الثاني 1441

جميل ورائع هذا الذي تابعناه مؤخرًا في الكويت، تفاعلنا معه، قرع أسماعنا وأصابنا بالدهشة، الأمر تحديدًا يتعلق بموضوع مهم وحساس، هو موضوع الفساد الذي يتحدث الناس عنه ويمقتونه ويرفضونه، وفي الوقت ذاته يتحاشون مواجهته لأسباب وأسباب، وخاصة فساد من يصنفون بأنهم كبار، ومنهم من يَرَوْن بأنهم محصنون ضد المساءلة، والأمر برمته لا مفر من أن يُعطى درجة عالية من الاهتمام والمتابعة والتوثيق في ظل واقع مسكون بالمرارة والعجز والمراوحة والاحباط والرضا بالمقسوم..!

لا نلقي الكلام جزافًا، وإنما نتحدث عن أمور موثقة ومنشورة عن صفقات وعمولات ورشاوى وأوامر صرف مخالفة للنظم والقوانين ومشاريع بأضعاف كلفتها، وبدا أن ثمة بدايات طيبة تجعل الكلام عن الفساد والاعتداء على المال العام لم يعد محصورًا في دائرة الكلام فقط، بل هناك أفعال، وهناك صرامة وإصرار على رد الاعتبار لقيم المساءلة، وعدم جعل شعار محاربة الفساد فارغًا من المضمون والأهداف وجعله مطمئنًا الى ديمومته ويُبقى على الفاسد مصانًا ومحترمًا ومتقدمًا على سواه علاوة جعل التقرب منه فضيلة سياسية..!

لن نذهب بعيدًا، نتابع ما حدث ويحدث في الكويت في الآونة الأخيرة، أخبار ووقائع لا ينبغي أن تمر مرور الكرام خاصة حين يكون الأمر يتعلق بحراك لافت ضد الفساد وطبقة الفاسدين، نشر وقيل بأنه بداية لمعركة طال انتظارها، وهو أمر أينما يقع يستحق الاهتمام والمتابعة والرصد والترحيب، وتفتح له كل القلوب، وكل العقول بعد أن صار معروفًا ومألوفًا ومعتادًا نشهد أن محاربة الفساد في منطقتنا لم تخرج عن اجترار المقولات ذاتها وتردادها، بيانات خشبية وإنشائية في تصريحات 

«استراتيجية» لا تلجم الفساد، ومواقف هزلية لا تشفي غليل المتفائلين وبتقارير رقابية، تقرير تلو تقرير ليس لها مآلات ولا مخرجات، تقارير لم تتجرأ على تسمية فاسد واحد، بل إن المضحك المبكي حين يقدم هؤلاء للناس على أنهم أنقياء وصالحون، في مشاهد هي بوجه عام تمضغ المستقبل..!

نعود الى ما يحدث في الكويت الحبيبة، يبدو أن فيها إرادة تقضي بعدم الاكتفاء بهجاء الفساد، والخروج من القول الى الفعل، وتخطي ما يجعل قيم المساءلة والمحاسبة من المستحيلات، إرادة قررت أن تسد منافذ الفساد وملاحقة الضالعين فيه، لنتوقف أمام هذه العينة، أولاً في هذا الذي تجلى في حكم قضائي أعلن عنه في 27 يناير الماضي، حكم وصف بأنه غير مسبوق في تاريخ الكويت، وهو صدور حكم بإدانة وزير الصحة والوكيلين السابقين ومعهم رئيس المخاطر الدولية الاستراتيجية بشركة دولية بالسجن 7 سنوات بتهمة الاستيلاء على أموال الدولة من خلال التلاعب في مناقصات أدوية وتغريمهم 243 مليون دولار..

القضية كانت حديث الشارع الكويتي، نوابًا ومغردين، وصحافة، وقوى مجتمعية وسياسية، الى آخره، ورغم أنه أثير حولها كم لا يستهان به من التساؤلات المحيّرة حول كيفية اختراق كل الآليات والاجراءات الخاصة بالتعاقد والتربية والصرف، ورغم إن صدمة الناس كانت كبيرة حول شخصيات كان لها وزن، وكانت ملء السمع والبصر، يدلون بتصريحات ويقصون أشرطة فعاليات، ويجتمعون ويترأسون، ويشكلون اللجان، واللجان الفرعية، واللجان المنبثقة تحت زعم ضبط مجريات الأمور في هذا الشأن او ذاك، إلا أن الكويت أقدمت بالأفعال على خطوات لافتة على صعيد محاربة الفساد، ويبدو إنها بدأت في التهيئة لخطوات في عملية التطهر من الفساد والفاسدين. 

تابعنا ثانيًا في الأيام الماضية الإعلان عن ضبط وإيداع 9 متهمين السجن على خلفية قضية الاختلاس الشهيرة التي عرفت بقضية «ضيافة الداخلية» بينهم وكيلان سابقان للشؤون الإدارية والمالية بوزارة الداخلية إضافة الى مسؤولين بوزارتي الداخلية والمالية ومسؤولين في عدد من الفنادق، ثم الإعلان عن محاكمة مسؤولين في شركة نفط الكويت الى النائب العام في قضايا قيل بأنه توافرت فيها شبهات جرائم فساد بنحو 15 مليون دولار «تسهيل الاستيلاء على المال العام والإضرار العمدي وغير العمدي والتربح ومساعدة الغير على التربح»، وقبل ذلك وجدنا تفاعلات قضية فساد أخرى كشف عنها أحيل بموجبها 24 متهمًا بينهم ضباط ومسؤولون كبار حاليون وسابقون بتهم «الاستيلاء على المال العام» و«تسهيل الاستيلاء عليه» و«غسل الأموال»، و«التزوير في محررات رسمية»، ايضا وفي ملف آخر شهدنا محاكمة 10 مسؤولين في وزارة الأشغال العامة والهيئة العامة للطرق والنقل البري بتهم فساد تتعلق بتسهيل الاستيلاء على الأموال العامة وإلحاق ضرر جسيم بها ناشئًا عن الإهمال، جاء ذلك بعد بلاغ تقدم به وزير الأشغال..!

تابعنا ايضًا قضية إحالة 4 مهندسين في قطاع الإنشاءات التربوية للمحاكمة بتهم إصدار 32 أمر صيانة وهميًا وإلحاق الضرر الجسيم بالمال العام، وايضًا تابعنا محاكمات بفساد قرارات تعيين وترفيعات في بعض الجهات الحكومية، وأخيرًا تابعنا ما نشر عن التحقيق في شبهة رشى تتعلق بعقد لشركة «ايرباص»، والتهم بحسب إعلان هيئة مكافحة الفساد «نزاهة»، التزوير والرشوة وإساءة استعمال السلطة، واستغلال نفوذ، والكسب غير المشروع، ومخالفات مالية وإدارية، وأعلن خلال الايام الماضية بأن هذه القضية بعد ما نشر تشعبت وكشفت عن مفاجآت مدوية..! 

ذلك حدث في فترة وجيزة، وهذا يعني ضمن ما يعنيه أن الكويت المجاورة تبذل الآن جهدًا مقدرًا على صعيد مكافحة الفساد بصورة ملحوظة، وجاءت الاستراتيجية الكويتية الوطنية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد 2019 - 2020، لتضفي مزيدًا من الجدية على صعيد محاربة الفساد، وعلينا أن نلاحظ بأن هذه الاستراتيجية تتبنى ضمن محاورها المهمة التنسيق بين الأجهزة الرقابية والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني وتفعيل أدوات المحاسبة والمساءلة تجاه أي تقصير، وفسر هذا بأنه يعني أن الكويت تسعى الى تحقيق ما هو

المطلوب فعله في أرض الواقع ويحقق المواجهة الجدية ضد الفساد والفاسدين.

اللافت ايضًا إن ذلك الجهد يأتي في وقت تراجعت فيه الكويت 7 مراتب في مؤشر مدركات الفساد الصادر مؤخرًا عن منظمة الشفافية الدولية، وهو تراجع أثار الكثير من ردود الفعل على أكثر من 

مستوى، وأرجعت الهيئة العامة لمكافحة الفساد في الكويت «نزاهة» ذلك التراجع الى تأخر صدور جملة تشريعات أهمها: قانون تعارض المصالح، وحق الاطلاع وتنظيم الحصول على المعلومات وتنظيم تعيين القياديين، وتمويل الحملات الانتخابية، ولفتت الى أن تواتر أخبار قضايا الفساد أثر في مستوى الثقة بين المجتمع والدولة، وأشاع الانطباع بعدم تطبيق القانون على الفاسدين، وأولى مجلس الوزراء الكويتي في جلسته المنعقدة بتاريخ 3 فبراير 2020 اهتمامًا بمعالجة هذا التراجع مع 

التأكيد بأن جهود الدولة ستتضافر لتعزيز النزاهة والشفافية بما يتوافق مع المعايير الدولية لمكافحة الفساد ومتابعة أحدث المستجدات بشأنها.

ليس الهدف، هنا، التذكير ببعض الجهود والخطوات التي تبذل في الكويت العزيزة على قلوبنا على صعيد مكافحة الفساد، ولكن الهدف بالمختصر المفيد او غير المفيد هو تسليط الضوء على تجارب قريبة منا جدًا على أمل أن نتحرك بنفس الاتجاه بكل إخلاص وحزم وإصرار، بمعنى الاستفادة من أي تجربة قريبة او بعيدة لا تجعل محاربة الفساد أقرب الى إشاعة مغرضة، حتى التقارير السنوية لديوان الرقابة عندنا وعلى مدى أكثر من عشر سنوات لم تظهر لنا متهمًا كامل الأوصاف والصفات، ربما ننتظر أن يتوقف الفساد والفاسدون تلقائيًا وعن طيب خاطر..!

القضاء على الفساد مهما يكن نوعه وحجمه ومشتقاته ليس أمرًا مستحيلاً، وليس معجزة، وهناك كيانات في المجتمع الدولي استطاعت أن تحقق مراتب متقدمة في إجهاض الفساد وأن تمنعه او تحجمه قدر الإمكان، وأن تتحول الى نماذج مشهود لها في محاربة الفساد ومنع استغلال المناصب العامة الى مصالح خاصة، وبذلك استطاعت أن تنجز التنمية والتقدم الاقتصادي والرفاهية المجتمعية، حققت ذلك بوجود إرادة سياسية حازمة، ومنظومة تشريعات داعمة، ومجتمع مدني فاعل ومؤثر، ووعي عام بقيم النزاهة ومكافحة الفساد وضوابط تكفل ولو الحد المعقول من نزاهة البرلمانيين، تمعّنوا في تجارب الدول المتقدمة في محاربة الفساد، من أهمها اليوم تجربة سنغافورة التي باتت من أبرز دول العالم في مكافحة الفساد بعد أن كانت واحدة من الدول الأكثر فسادًا، ومن بين أهم الأسباب الإرادة السياسية الأكيدة، واستراتيجيات وآليات واضحة وجادة لمحاربة الفساد، ورفض المجتمع المدني للفساد كوسيلة للعيش ومساندته للمتصدين للفساد.

أسوأ ما يمكن أن يمر به أي مجتمع، هو تعاظم الفساد، وغسل فساد المفسدين وازدياد نشاطهم الإفسادي، وإحباط المقاومين للفساد والفاسدين، وغلبة مناخات فاسدة على جهود مقاومته، وتكبير 

المفسدين، وتحويل المقاومين للفساد الى متهمين، لا يصلح شيئًا، ولا يحاسب أحدًا، وجهات مسؤولة صامتة، لا تتحرك، وهي بهذا الصمت المريب تترك مظنة الاتهام تلاحق الجميع، هذه أحد نتائج التجاهل لمبدأ: حق الناس في أن تعرف..!

تتعاظم البلوى، ويتعاظم السوء بوجود مجتمع مدني مغلول، وبوجود نواب «ديكور»، او نواب هم جزء من منظومة الفساد، انظروا ما يحدث في العراق ولبنان على سبيل المثال والاحتجاجات التي لاتزال قائمة على فساد النواب، بالنسبة لنوابنا، وجدنا في فصل تشريعي سابق من كبّل دوره الرقابي بتعقيد تفعيل أداة الاستجواب في مشهد لا ينسى، ووجدنا نوابًا عاجزين عن تحجيم الفساد، ووجدنا من تواطئوا معه بسكوتهم او بالانحراف عن ما يتوجب اتخاذه كسلطة برلمانية، او بتمييع دورهم في المراقبة والمساءلة وكأنه لم يكن، او بالتركيز على دور خدماتي يخلق مناخًا يسمح او يشجع على النفع الخاص والفوائد التي لا تراعي حقوق او أولوية الآخرين، او.. او.. أليس ذلك جزء من الفساد..!

هل يمكن يا ترى أن نتقدم خطوات جريئة وفعلية وملموسة في محاربة الفساد، خطوات لا تجعلنا على الأقل نراوح في مكاننا نتحدث عن فساد ولا نصل الى الفاسدين والمفسدين، ربما بذريعة أن الله أمر بالستر، او إننا في انتظار أن يأذن الله بفرج من عنده، هل يمكن ذلك..؟ سؤال لا نملك عليه إجابة..!!

المعادلة بسيطة.. كافحوا الفساد فيزول الوباء..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها