النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11446 الأحد 9 أغسطس 2020 الموافق 19 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:41AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة..

عدنان الدوغه.. أول إذاعة متنقلة في أحياء الرفاع..

رابط مختصر
العدد 11265 الثلاثاء 11 فبراير 2020 الموافق 17 جمادى الثاني 1441

 وفي الحي نفسه بمدينتنا الرفاع الشرقي، وقرب نادي الكوكب تحديدًا، تفتحت عيناي في المنتصف الأول من ستينات القرن الماضي على ممثل جوال من نوع آخر، وكان يدعى (عدنان الدوغه) رحمة الله عليه، نسبة إلى منطقة كانت تعد الأحجار للبناء، وهي منطقة صغيرة تقع جنوب منطقة عوالي، وهي المنطقة التي تسمى حاليًّا «رفاع فيوز»، وقد كان يسكن هذه المنطقة ثلاث أو أربع عائلات، وقد مارست هذه الأسر صناعة الجص، وكان لكل أسرة دوغة (فرن) خاصة بها عرفت باسمها، وقد هجرت هذه العائلات منطقة الدوغة، ولم تستمر بها إلا عائلة واحدة، عائلة زايد السعدي، والد ممثلنا الجوال عدنان الدوغة، حيث بقيت تمارس هذه المهنة حتى كسادها، وبعدها هُجرت منطقة الدوغة، ولم يتبقَّ بها أحد، ولم يبقَ لها أي أثر إلا في الذاكرة الشعبية، وتوجه عدنان الدوغه إلى العمل بشركة ألبا بحثًا عن رزق أفضل، ولعلني أزعم أن (الدوغة) عرفت لدى الكثير من خلال عدنان الذي يعتبر أشهر من تواصل مع أهل مدينة الرفاع من هذه القرية. 

عدنان الدوغه وهو من أصول عمانية، تميز بسمرته الصنوبرية الداكنة وقوامه الطويل الممشوق، ووجهه الأفريقي الدائري البارز التقاسيم وكما لو أنه قطعة نحتية أتقنت تحديد خطوطها يد نحات ماهر، حيث بإمكانك إعادة تركيب هذه التقاسيم ببساطة كلوحة (البازل)، إذ نلحظ في منتصفها أنف عريض أفطس، تعلوه عينان دائريتان واسعتان ضاحكتان، معقودتان بجبين عريض، وتحت هذا الأنف شفتان غليظتان واسعتان متصلتان من جانبي فكيه بأذنين طويلتين نافرتين مخروقتين، وكما لو أنهما أعدتا لأقراط الطقوس الأفريقية الأسطورية المعروفة منذ سحيق الأزمان، وتحيط بهذه التقاسيم البارزة وجنتان مشدودتان إلى الأمام محددة بدقتها المتناهية هذه التقاسيم في هيئة قنديل تستطيع تبين ملامحه من خلال كل الحواس المستقرة في وسط الوجنتين بدءًا من العينين وحتى مرتكز الفكين من الأسفل وصولاً إلى الأذنين البارزتين الأشبه بعروتي هذا القنديل.

هذا الفنان الجوال الذي يأسرك وجهه قبل صوته، كان يقصدنا بين يوم وآخر بدراجته المتعددة الأغراض، وكانت أشبه بمسرحه المتنقل الذي يجوب به مناطق متعددة ومجاورة لمدينتنا، وكان الراديو الذي يجاوره باستمرار على الدراجة، هي المادة الأساسية أو نص الارتجال الذي سيؤديه بعد استقرار رحلته بجوار نادي الكوكب أو بجوار بعض الأماكن التي يتجمع فيها أهالي الحي، وكان الأطفال ينتظرونه قرب نادي الكوكب وأحيانًا قرب بعض دكاكين وساحات الحي، ينتظرونه على أحر من الجمر كي يسعدوا بأدائه التهريجي والكوميدي وبلهجته العمانية الظريفة التي تتخللها ضحكاته البريئة، وكان عدنان كما أشرت، أفطس الأنف، وكان منخارا هذا الأنف هما مفتاح المسرحية وختامها، فعندما يريد أن يبدأ التمثيل يضغط بسبابته اليمنى على المنخر الأيمن، وعندما يريد أن يختمه يضغط بسبابته اليسرى على المنخر الأيسر، وعندما يريد أطفال الحي مشهدًا كوميديًا آخر من باب الدعابة معه، يتجرأ بعضهم ويضغط على منخره الأيمن، فيواصل ويستمر خاصة ما إذا قلد أحدهم بصوته المتعدد الطبقات.. 

فم عدنان الدوغه العريض الغليظ، هو آلته الموسيقية والإيقاعية والأدائية، فبمجرد شروعه في التقليد، تتحرك كل الحواس في وجهه دفعة واحدة، وكما لو أن فمه هو مفتاح العرض كله، وكان فمه هو أيضا مصدر تخيله للشخصيات التي يقلدها، خاصة وأنه اعتمد الراديو وسيلة أساسية لتقليد من يسمعهم من الشخصيات، إضافة إلى الموسيقى والفواصل، وكانت أذناه كما يبدو حساستين إلى درجة غير عادية لكل ما يسمع، وكما لو أنها (فلتر) أو مصفي هذه الحالات التي يؤديها بفمه.

عدنان الدوغه حين يقلد شخصياته أو موسيقاه وإيقاعاته، لا يغادر جسده مقعد دراجته أو حيزها، وكما لو أنها خشبته المسرحية الأثيرة التي يخشى عليها من التعرض لخدش أو للسرقة، وكانت مكافأته في الغالب زجاجة كولا أو بيبسي، وهي مكافأة غالبًا ما تشجعه على الاستمرار في التقليد والتمثيل.

وأذكر أن الوالد رحمة الله عليه، المولع بفن (الصوت) وخاصة لمشاهيره في البحرين من أمثال محمد بن فارس وضاحي بن وليد ومحمد زويد، والأخير منهم أكثر تحديدًا، لأنه عايشه في (السمرات) الجلسات الفنية التي تقام في الدار (العوده) بالرفاع، كان يقول لمن فاته الاستماع إلى محمد زويد يوم الجمعة: لا تقلق، فلن يفوتك شيء، سيأتي عدنان بعد قليل وستستمع لأغاني محمد زويد كلها.. 

وفعلاً، كان يوم الجمعة بالنسبة لعدنان الدوغه ولأهالي الحي، هو يوم الفنان محمد زويد، حيث يبدأ عدنان الغناء والعزف ويصدح صوته وكما لو أنه زويد في الحي كله، وكنا نستغرب أيما استغراب وهو يقلد صوت الفنان والكورال الشعبي والإيقاعات وآلتي العود والكمان وحده، إنه يملك قدرة فائقة التصور في التقليد، قلَّ من يتمتع بها، وعندما أسأل نفسي: لماذا عدنان الدوغه تميز بهذا الفن وحده آنذاك؟ تشاغبني بعض الاحتمالات، ومنها ربما لأنه ظل لفترة طويلة وحده بعد وفاة والده في قرية (الدوغه)، ولم يجد أنيسًا له غير الراديو، الذي ظل يستمع إليه ويؤنس وحدته ويتحاور معه وكما لو أنه مجتمعه الذي يطمح في أن يعيش في وسطه، خاصة وأن قرية (الدوغه) منطقة شبه نائية، وهي مصنع لـ (الغبره) و(النوره) و(الجص) وهي مواد مغبرة تستخدم للبناء والطلاء ويصعب أن يكونوا صديقًا لمن يجاورهم، أو يصغون لمن يؤدي أمامهم، فلم يجد عدنان الدوغه وسيلة تملأ روحه حياة وحميمية، غير أن يعبر بهذه الدراجة كل يوم، مهما كان بعد المسافة، إلى من يشاركونه حياته وموهبته في الرفاع، ومن ثم إلى (ألبا) وهي شركة ألمنيوم البحرين التي حسنت من وضعه الاقتصادي نسبيًا، وبعدها شق طريقه إلى إذاعة وتلفزيون البحرين ليتعرف كل الناس في البحرين على موهبته وعلى شخصية هذا الإنسان البسيط العفوي، وذلك من خلال لقاءات أجريت معه أفصح فيها عن موهبته كواحد من أهم (المقلداتية) في البحرين.

لم يكن الطريق لدى عدنان الدوغه سهلاً، كان معبدًا بالمشاق والصعوبات، فحتى يصل إلى المناطق الأبعد من الرفاع، كان يلزمه أن يمضي بقدميه إلى الرفاع، وهناك يستقل وسيلة مواصلات تقلُّه إلى المنطقة التي سيقصدها، وحين يصل يضطر للمشي على قدميه حتى يصل إلى هذه المنطقة، أمله أن يلتقي بمن يحبهم أو يراهم فقط، لأنه قلدهم يومًا ما.

كان عدنان الدوغة اشتهر بتقليد الشخصيات التاريخية وشخصيات الكاوبوي التي اضطرته لاستخدام إحدى النظارات الشمسية الكبيرة العدسات تقليدًا لأحد أبطالها، وأداء بعض التمثيليات التي أذهلنا في طريقة تقليدها، وبعض الشخصيات الإعلامية الشهيرة، من أمثال الراحل إبراهيم كانو والإعلاميين حسن كمال وسعيد الحمد، ولم تكن الدراجة فحسب مسرحه الأوحد، وإنما كذلك وجهه الذي اختزل فمًا واسعًا متعدد الغرف الصوتية، حيث كان يصدر منه أصوات متداخلة ومؤثرات صوتية، لتجعل من وجهه كله مسرحًا حيًا، الشخصيات والأحداث والمؤثرات والموسيقى والغناء تتناغم كلها في أدائه، وهي قدرة هائلة لم يصادفني حينها مؤد يقوم بكل الأدوار المسرحية مرة واحدة، وحين ينتهي عدنان من مهمته يمضي إلى منطقة أخرى يقدم فيها عرضه المسرحي الارتجالي ونظل نحن على موعد معه حتى متعة أخرى. 

 

هامش: 

1ـ البازل وهي لعبة تركيب الصور 

2ـ السمرات ومفردها سمره وهي ليلة السمر والأنس التي تستمر في الغالب إلى وقت متأخر من الليل.

3ـ العوده وتعني الكبير

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها