النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11445 السبت 8 أغسطس 2020 الموافق 18 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:07AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

من أجل سياسات تخدم مصالحنا لا مصالحهم

رابط مختصر
العدد 11264 الإثنين 10 فبراير 2020 الموافق 16 جمادى الثاني 1441

لنا في قضية محاولة بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي المسماة «بريكست» عبر ودروس كثيرة ولكن ما يهمني التطرق له في هذا المقال هو التعاطي الإعلامي وبالتالي الشعبي المتأثر بما يطرح إعلاميًا بمعطيات هذه القضية المهمة ودور المؤسسات والمنظمات العابرة للحدود كأدوات ومنصات تأثير تخدم مصالح تيار او تيارات تقف خلفها وتحركها خدمة لمصالحها. 

كانت صدمة الإعلام الغربي وكبار الساسة الرافضين للخروج كبيرة فهم لم يتوقعوا أن تكون نتيجة الاستفتاء لصالح الخروج ولم يدركوا حجم الفجوة بينهم وبين شعوبهم، مما دفعهم لتكثيف الجهود وتسخير كل الإمكانات لتعطيل نتيجة الاستفتاء مرة عبر تعقيد إجراءات تنفيذ التخارج ومرة عبر تعطيل مبادرات حكومة تاريسا ماي للتخارج ومرات عبر الالتفاف على مصالحهم الوطنية والتعاون مع مفوضية الاتحاد الأوروبي ودائمًا عبر تخويف الرأي العام وإثارة الهلع من تبعات خروج بريطانيا الاقتصادية وتأكيداتهم بأن الجنيه الاسترليني سيهوى لمستويات غير مسبوقة وستفقد بريطانيا قدرتها على خلق وظائف للمواطنين إلى اخر قائمة التخويف، ولكن صدمتهم كانت أكبر عندما فاز بوريس جونسون وتيار حزب المحافظين المؤيدين لبريكست والمتمسك بتنفيذ رغبة غالبية الشعب البريطاني واحترام نتائج النظام الديمقراطي حتى وإن لم تتوافق مع قناعات البعض.

كنت متابعًا لأغلب القنوات التلفزيونية «العريقة» منها وغيرها وأيضا للكثير من ما كتب من آراء وتحليلات وتوقعات في الإعلام الغربي وكانت اغلبها تنذر وتحذر من هذه الخطوة بأسلوب أقرب للاستفزاز لكل رأي مخالف من مجرد طرح موضوعي يعبر عن قناعات أطراف معينة. هذا الاستفزاز لقناعات وآراء أغلب المصوتين للخروج زاد من الفجوة بين الساسة والمؤسسات التابعة للتيار المنادي بالبقاء وبين بقية الشعب.

فالتيار الليبرالي واليسار الغربي ينادون عبر أدواتهم القوية والمؤثرة وسيطرتهم على كثير من المؤسسات الإعلامية والمنظمات الدولية بإلغاء الهويات الوطنية والاتجاه نحو مزيد من الاندماج ضمن هذه المنظمات الدولية للاستعداد للمرحلة المقبلة التي يسميها البعض «ما بعد الدولة» وهي تسعى لنسف أهم مبادئ وأسس معاهدة «وستفاليا» التي تهدف لتعزيز استقلال وسيادة الدولة الوطنية وعدم التدخل في شؤونها، ولكن هذا موضوع يحتاج لمقالات تفصيلية أخرى هذا ليس موضعها. 

ما يهمني هو أخذ العبرة من أن التأثر بما تطرحه هذه المؤسسات الإعلامية حتى وإن كانت عريقة وما تطرحه بعض المؤسسات الدولية وكبار الساسة والمراكز الفكرية الغربية كلها امتداد لأهداف مترابطة ومصالح مشتركة وغايات يسعى هذا التيار أو ذاك لتحقيها عبر استخدام كل هذه الأدوات ومن أكبر الأخطاء اعتمادها كحقائق والتأثر بها ورسم سياساتنا بناء على طرحهم فهم يروجون لما يخدم مصالحهم باستخدام هذه الأدوات ولا يسعون لنشر الحقائق ولا تقديم تحليلات رصينة، ولنا في سعر الجنيه الاسترليني أكبر مثال. فأغلب هذه المؤسسات حذرت من انهيار الجنيه الاسترليني إذا فازت حكومة بوريس جونسون وفاز جونسون لم ينهار الجنيه واستمر تخويف الناس واستمر ارتفاع سعر صرف الجنيه ليصل في اليوم التالي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لأعلى سعر صرف منذ زمن بلغ 1.318 مقابل الدولار، وهذا لا يعني أن الجنيه لن يهبط أو يتذبذب سعر صرفه مستقبلاً بل هذا هو الطبيعي كحال أي عملة ولكن من المهم تسليط الضوء على محاولات تضليل الرأي العام وتخويفه إن كانت توجهاته عكس ما يسعون له او عكس مصالح هذا التيار المسيطر على أدوات الرأي العام.

وأيضا على سبيل المثال، حذرت هذه المؤسسات أن الشركات الكبرى في بريطانيا ستغلق أبوابها وترحل إن خرجت من الاتحاد الأوروبي وستتسبب بخسارة مئات الآلاف من الوظائف ولكن الواقع هو أن العديد من الشركات فعلاً تركت بريطانيا بسبب سياسة الدعم المقدمة لهم من الاتحاد الأوروبي من قبل التصويت على استفتاء «بريكست». فشركة كادبوري نقلت جزءا كبيرا من بريطانيا إلى بولندا في 2011 وبدعم مالي من الاتحاد الأوروبي، وشركة فورد ترانزيت انتقلت من بريطانيا إلى تركيا في العام 2013 أيضا بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي وكذلك تم دعم جاكوار ولاند روفر لبناء مصنع جديد في سلوفاكيا مملوك من قبل شركة تاتا، كما أغلقت بيجو مصنعها ونقلت إنتاجها لسلوفاكيا، والقائمة تطول لتشمل أيضا العديد من الشركات التي مازالت موجودة في بريطانيا لكنها تدار من قبل شركات أوروبية. فالاتحاد الأوروبي يدفع مبالغ دعم للعديد من الشركات من الأموال المحصلة من دافعي الضرائب بمن فيهم البريطانيون. 

لا أحاول في هذا المقال إقناع القارئ بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أفضل لها اقتصاديا او أسوأ ولكن ما أحاول تسليط الضوء عليه هو كمية التضليل وأدوات التأثير التي تستخدمها هذه المؤسسات وهي فقط موجهة لتحقيق مصالح هذا التيار وعلينا الحذر منها ولا نبني سياساتنا ولا قناعاتنا بناء على ما تزودنا به من تحليلات أو تحذيرات أو حتى تشجعنا لتبني سياسات محددة فمعيارهم الوحيد هو مدى توافق هذه السياسات أو القرارات مع مصالحهم أو ابتعادها عنها، ولنا في تجارب الدول مع مؤسسات ومنظمات دولية كبيرة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهم عبر ودروس، كما لنا في البحرين تجربة مع مؤسسات إعلامية عريقة مثل البي بي سي والسي إن إن وغيرهم تأثرت مصداقيتهم حتى قبل أن يسميهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأخبار الزائفة 

«Fake News»، ولنا أيضًا عبر ودروس في حجم تناقض اهتمامهم بما يحدث حاليًا في العراق ولبنان وليبيا وكل ما نجم عنه من مقتل واعتقال آلاف المدنيين وإسقاط الحرس الثوري الإيراني الطائرة الأوكرانية وبين اهتمامهم بـ«ناشط» في البحرين أو المملكة العربية السعودية. 

 

عضو مجلس الشورى 

والرئيس التنفيذي لمركز دان للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها