النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11520 الخميس 22 أكتوبر 2020 الموافق 5 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

الربيع العربي والربيع الأوروبي (2)

رابط مختصر
العدد 11262 السبت 8 فبراير 2020 الموافق 14 جمادى الثاني 1441

ثورات الربيع الأوروبي لم تصل إلى أهدافها في البداية، ولم تنجو من الفوضى والانقسامات والصراعات والتدهور (رغم أن شعوب هذه البلدان تحلت بوعي معرفي متطور وسبقتها فترة تنوير امتدت قرنًا كاملاً)، ذلك يعني أن الوصول إلى نظام مثالي نموذجي لا يتم بسرعة فهذا النظام هو نتاج تراكم مستمر لنجاحات وإخفاقات متعددة تستغرق زمنا، لكن هل يعني ذلك أننا نحتاج إلى قرن ونصف (هي الفارق الزمني بين الربيعين العربي والغربي) لنصل إلى أهدافنا؟. 

لا أعتقد ذلك فمن حسن الحظ أن الفروقات الزمنية بينهما، يمكن اختصارها بسبب التطور التكنولوجي النوعي والاستثنائي الحالي الذي سيسرّع الإصلاح والوصول إلى الهدف كما يعتقد الباحثون. 

في عصر الثورات الأوروبية لم توجد نماذج واضحة للمجتمع الديمقراطي المنشود، ولم تتضح كيفية الوصول إلى هذا الهدف مباشرة. أما في عصرنا فهناك نماذج ديمقراطية كثيرة في الغرب وفي العالم يمكننا الاستفادة من خبرتها، وبالإضافة، فهناك اليوم عددٌ ليس قليل من المجتمعات التي كانت مشابهة لنا ثم نهضت خلال عقود قليلة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا والصين وسنغافورة وبلدان أخرى تنتمي جغرافيا إلى الدول الآسيوية النامية مثلنا، وكانت بلدانا متأخرة اقتصاديًا وغير مستقرة سياسيًا، ثم أصبحت خلال عقود قليلة بلداناً متقدمة ومزدهرة وتتمتع بقدر وافر من الديمقراطية والعدالة والسلم الأهلي، باستثناء الصين التي لم تغيّر نظامها السياسي، لكنها حققت نظامًا اقتصاديًا ناجحًا فهي اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

 وبين أيدينا في هذا العصر ما يعرفنا بوسائل النهوض التي استخدمت في تلك البلدان التي ذكرتها، بالإضافة فالأجهزة التكنولوجية تعرفنا بمجريات الأمور في العالم في عصر الانتشار المعرفي وبسرعة قياسية، فيما وسائل الاتصال السريعة تنقل تجارب الشعوب الأخرى يومًا بيوم وساعة بساعة، لتنمّي وعينا ومعارفنا، وبإضافة أخرى تقوم مواقع الإنترنت بضخ  معلومات هائلة  تدفع في اتجاه التغيير والتطوير، وهي متوفرة للمواطن العربي، وتقوم بدور تثقيفي واسع، وتفتح إدراك الناس وتهيؤهم للمستقبل. 

من جهة أخرى فالتطور التكنولوجي يوفر لنا أيضا وسائل التواصل الاجتماعي التي خدمت وستظل في خدمة الحراكات الشعبية  كما حدث في ثورات الربيع العربي الأخيرة. وتقوم مواقع التواصل الاجتماعي بتوفير رقابة شعبية وإعلام ناطق للمجتمع، واسع الانتشار وسريع التأثير، كما أن العالم من حولنا الآن أكثر اهتمامًا بما يجري في كل البلدان التي تلقى تعاطفًا دوليًا ومساندة في عصر حقوق الإنسان واسع الانتشار. كل هذه الأمور لم تكن متوفرة في عصور سابقة بهذه الوفرة والكثافة وهي تدفع في الاتجاه الصحيح. 

كل ذلك لا يعني أن التغيير في البلاد العربية قريب وغاب قوسين أو أدنى حتى في ثورات الموجة الثانية التي لا زالت مستمرة، لأن التغيير في حد ذاته يصطدم بتعقيدات كثيرة فالتكوين الاجتماعي التقليدي للمجتمعات العربية هو من العمق والرسوخ، بحيث لا يمكننا استبداله بتكوين عصري جديد في فترة زمنية محددة. وحتى الآن فأهداف التغيير وآلياته قد تكون واضحة عند النخب العربية، لكن النخب لا تصنع التقدم، وإنما تضع حلولاً ويبقى تنفيذها بيد المجتمع، الشعب وحده يصنع التاريخ، والشعب العربي لا زال يحمل ركام موروث سلفي وأصولي عميق، وكل ذلك يقف عائقًا أمام الوصول إلى الهدف الأساسي الذي نريده: مجتمع ديمقراطي نموذجي متطور ومتقدم. 

النظام / الحلم الذي نريده لن يتحقق دون وعي ديمقراطي متقدم، فالديمقراطية يصنعها الديمقراطيون، وقد لا حظنا (بسبب ركام الثقافة التقليدية) كيف انساقت الشعوب العربية بسهولة ويسر وراء أحزاب وتيارات دينية أصولية تريد أن تعيد المجتمعات العربية إلى الوراء أكثر أو أنها أعادتنا إلى الوراء بالفعل، ولو كانت المجتمعات العربية تتمتع بوعي ديمقراطي وثقافة عصرية لما استطاعت هذه القوى تضليله. ومن الممكن أن تتكرر هذه الحالات مستقبلا عند أجيال قادمة تجهل تاريخها البعيد والقريب. وستبقى الثقافة ملاذنا الأول والأخير: الثقافة في عمومها والثقافة الديمقراطية في الخصوص، فهما كفيلتان بتنظيم تفكيرنا ووقايتنا من نكسات أخرى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها