النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11319 السبت 4 ابريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

حاكم السودان والملكة فيكتوريا

رابط مختصر
العدد 11259 الأربعاء 5 فبراير 2020 الموافق 11 جمادى الثاني 1441

تنهال علينا كل دقيقة من ساعات اليوم وعلى مدار الساعة الغث والهزيل والكذب والتلفيق من الرسائل والصور والفيديوهات دون توقف، حتى اضطرنا الأمر أن نخصص مساحة من الوقت كل يوم لتطهير هواتفنا من المواد الملوثة، والمرعب والمؤلم أن هذه الملوثات تمر مرور الطهر والسلام على الأكثر والأعم من عباد الله.

حديثا وردتنا، وانتشرت بين الناس، معلومة في صيغة لوحة تحمل نص رسالة مقتضبة وصورتين تلعن إحداها الأخرى، واللوحة ينبعث منها إيحاء يبرئ المعتدي ويدين المعتدى عليه. تلفيق محكم الإخراج موضوعه الأساس احتلال بريطانيا للسودان كرد فعل، لا فعلا مخططا، على حماقة حاكم السودان. فحوى اللوحة معلومة أقرب إلى الأسطورة وشبه تخريف وخرافة، بثتها أطراف مجهولة، أو طرف معلوم ومجهول، عبر وسائط التواصل الاجتماعي إلى أوسع دائرة من الانتشار، والانتشار غطى كامل حدود الأرض العربية، لأن العرب هم المعنيون بموضوع الرسالة، وهم المستهدفون بالمعاني المركبة بِحِرَفِيَّة الكذب والمؤثرات المربكة بغرض التضليل، وهي التي تحملها الرسالة، وبالمختصر المفيد فإن الرسالة قد خرجت من مختبر الكذب من أجل التضليل، ومع التضليل تتوارى الحقائق عن الأذهان، ويبدو الذئب غافلاً بريئًا والحمل أحمق أهوج يتطاول بجرأة الجهل على وحش كاسر ويجلب على نفسه حكم الفريسة، فتدور دائرة الحق عليه عندما يصبح فريسة بين فكي الذئب.

رسالة قصيرة مقتضبة تحمل معاني مغرضة خطت بهذه الكلمات: «هل تعلم أن عبدالله التعايشي حكم السودان في 1885م وبعث رسالة إلى فيكتوريا ملكة بريطانيا قال فيها: من الخليفة عبدالله التعايشي إلى فيكتوريا، أسلمي تسلمي فإن قبلتِ وأسلمتِ زوجناك بابن أخينا الأمير يونس ولد الدكيم إن قبل بك.

فأرسلت إليه جيشًا كبيرًا مسحت الأرض به وبابن أخيه واحتلت السودان عام 1889م». والرسالة ذات شقين، الكلمات في النصف الأعلى وصورتان في النصف الأدنى، صورة ملونة تشع منها النور للملكة فيكتوريا على اليمين وهي في عمر الشباب متوجة بروح الجمال، رغم أنها في عام 1885م كانت في السادسة والستين من العمر، وهذه النقلة التاريخية للصورة إلى الوراء الجميل هو جزء من خطة التأثير المراد من الرسالة على القارئ - المشاهد، وعلى اليسار صورة للأمير السوداني يونس ولد الدكيم بالأبيض والأسود حسب العرف الفوتوغرافي، إلا أنها بالرمادي والأسود في واقع الصورة، ويبدو الأمير الشاب في الصورة كأنه قد بلغ من العمر عتيا أشعث الشعر أغبر وكأنه من أهل الكهف، والصورة قاتمة تكتم أنفاس النظر وتبعث على الازدراء من صاحبها، والصورتان بهذا الإخراج الدرامو ـ سياسي توحيان للمشاهد ـ القارئ بأن «أين الثرى من الثريا»، ويتبادر إلى ذهن القارئ ـ المشاهد صورة معكوسة للواقع، تنظر إلى احتلال بريطانيا للسودان على أنه نتيجة طبيعية لحماقة ملك السودان الخليفة عبدالله التعايشي، ونتيجة حتمية لتطاول ملك صغير على ملكة تحوم أساطيل دولتها بحار العالم ومحيطاته، وهي في موازاة الامبراطوريات العظيمة. بمعزل عن الصورتين اللتين تضيفان على الكلمات الأثر المطلوب في قلب صورة الواقع، إلا أن النصف الأول من الرسالة، وهو دعوة «أسلمي تسلمي...» فيه شيء من الصدق، بينما النصف الآخر وهو «فإن قبلتِ وأسلمتِ زوجناك بابن أخينا...» فهو محض تلفيق وكذب مقصود. الحقيقة التاريخية هي أن الخليفة عبدالله التعايشي بعد أن استلم زمام الحكم والملك من سلفه محمد أحمد الذي ادعى أنه المهدي المنتظر، وكان قد وضع كامل ثقته في عبدالله التعايشي وعيّنه خليفة له، قد وضع نفسه في مكانة ومرتبة الخليفة أبوبكر الصديق وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، انطلاقًا من هذا الإحساس النابع من الإيمان برسالة الإسلام والواجب الديني بنشر الرسالة السماوية، بتأويله المهدوي، بعث برسائل إلى السلطان عبدالحميد والخديوي توفيق باشا والملكة فيكتوريا يدعوهم فيها إلى اعتناق المهدية قبل أن تطأ جيوشه بلادهم، والرسائل كلها كانت بصيغة واحدة، وهي اقتباس للرسائل التي بعثها الرسول إلى الملوك. الدول التي استلمت الرسائل لم تعرها أي اهتمام وكانت سلة المهملات أرشيف تلك الرسائل، حتى أن الموظفين الرسميين الذين استلموا الرسائل لم يبلغوا الحكام بها بل اتخذوها موضوعا للتندر والسخرية. أما حقيقة الاحتلال البريطاني للسودان فشأنها أكبر من رسالة غير واقعية وتفتقر إلى أبسط الحقائق بخصوص القوة الذاتية في معادلة موازين القوى عالميًا وإقليميًا.

تلك الفترة كانت ذروة النشاط الاستعماري الأوروبي للاستحواذ على أكبر مساحة ممكنة من جغرافية آسيا وأفريقيا ونهب ثوراتها واستعباد شعوبها، في تلك الفترة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا كانوا يرصدون ويتربصون المناطق التي كانت تهيمن عليها الامبراطورية العثمانية الآيلة تاريخيًا إلى السقوط بغية اختراق المناطق الرخوة فيها، فكان الصراع الفرنسي البريطاني على مصر، ونجاح بريطانيا عام 1882 احتلال مصر، وكان هذا قبل أن يصل صاحب الرسائل المهدية الهادية إلى سدة الحكم، ومصر كانت المنطلق لاحتلال السودان عام 1889 ومناطق أخرى في أفريقيا. 

من المؤسف والمؤلم أن تشويه الحقائق أصبح صنعة، والصنعة لها أربابها، وبضاعة الصنعة لها سادتها الذين يعطون أصحاب الصنعة المواصفات المطلوبة لإنتاج بضاعة تفي بغرض تشويه الحقائق وقلب طبيعة العلاقة رأسًا على عقب بين المعتدي والمعتدى عليه، بين المجرم والضحية، وهكذا يصبح المُعتدِي بريئًا اضطر أن يدافع عن كرامته أمام حماقة المُعتدَى عليه... وهكذا فإن هذه الصناعة الجديدة تعمل، حسب الطلب، على تبرير المخططات الاستعمارية وهول جرائمها على أنها كانت نتيجة حماقة الشعوب ليس جشع الرأسمالية التي دفعت بعجلة الاستعمار لنهب الثروات واستعباد الشعوب... وصناعة التلفيق هذه أفرزت محكمة افتراضية تدين الشعوب على حماقتها وتبرئ الاستعمار من هول جرائمه... يا لهول الصنعة التي تجبر التاريخ ألا يكون تاريخًا...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها