النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11319 السبت 4 ابريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الربيع العربي والربيع الأوروبي (1)

رابط مختصر
العدد 11255 السبت 1 فبراير 2020 الموافق 7 جمادى الثاني 1441

قد يمكننا اعتبار العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هو عقد الثورات العربية الأكثر أهمية وتأثيرا رغم الإخفاقات التي انتهت إليها. فهذه الثورات ليست فئوية وسطحية كسابقاتها التي جاءت بإنقلابات عسكرية، انتهت بدكتاتوريات لم تحدث تغييرًا هامًا في المجتمعات العربية، فتلك الثورات لم تحقق الحرية التي حملت شعاراتها، كما لم تحقق العدالة الاجتماعية تحت مظلة الاشتراكية التي تشدقت بها، واعتمدت نموذج الثورة البلشفية والثورة الصينية، فحكمت تحت نظام الحزب الواحد: حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق والاتحاد الاشتراكي في مصر، وبإسلوب مماثل في ليبيا. ثم تكشفت تلك الثورات عن أنظمة قمعية استشرى فيها الاستبداد بجانب الفساد. 

أما ثورات الربيع العربي فقد جاءت في زمن مد ديمقراطي عالمي، انتصرت فيه الديمقراطية الليبرالية التي اكتسحت العالم، بما فيه دول الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، بناءً عليه كانت ثورات الربيع العربي متأثرة بالنموذج الديمقراطي الليبرالي السائد في العالم الغربي وحقق نجاحات ملحوظة في التنمية والازدهار. كما جاءت ثورات الربيع العربي بهذا التصور وهذا الهدف، وإن لم تكن وسيلة الانتقال إلى النموذج الديمقراطي واضحة للحراكات الشعبية في هذه الثورات، إلا أنها كانت حراكات تعرف العلل الأساسية في مجتمعاتها. 

فماذا عن ثورات الربيع الأوروبي؟ في العام 1848، أي في أواسط القرن التاسع عشر كان الغرب على موعد مع ما سمي بثورات الربيع الأوروبي التي كانت بداية أحداث، تمخضت عنها الأنظمة الليبرالية الحديثة بنهجها الديمقراطي السائد الآن. فهل ستتمخض ثورات الربيع العربي عن أنظمة ديمقراطية على النمط الغربي في نهاية المطاف؟ هناك تشابه بين الشعوب، باعتبارهم بشراً لهم احتياجات متشابهة تقودهم إلى مسالك وطرق متشابهة، بإختلافات لا تبتعد عن الأهداف المتشابهة التي تسعى إليها كل الشعوب. قامت هذه الثورات العربية في دول هي الأكبر حجمًا وعلى موجتين. وكلنا يعرف أن النتائج الفادحة التي حدثت بعد هذه الثورات، خصوصًا في سوريا وليبيا واليمن، أدت إلى ظهور آراء تقول أننا نحن العرب لن نتقدم فهل هذا صحيح؟.

واضحٌ بالنسبة لي على الأقل أن هذا الرأي يفرط في الغلو والمبالغة. إن اليأس المفرط هو مثل التفاؤل المفرط؛ كلاهما متساويان في النتيجة. ثورات الربيع الأوروبي أوضحت أن الإنتكاسات تصاحب الثورات دائما في البداية، لسبب أن الطريق السالك إلى الأهداف يكون غير واضح وطويل ومتعرج، فالخلافات الجوهرية للقوى السياسية المختلفة تطفو بقوة على السطح بعد الثورة وخلالها، فينشأ صراعٌ قد يكون هائلًا ومدمرًا، إلا أن الفوضى والتراجعات في الربيع الأوروبي لم تستمر، إذ أعقبتها أحداث إيجابية وإصلاحات لتصحيح المسار قادتها في النهاية إلى الهدف.

ثمة عراقيل تنشأ بعد الثورات مباشرة، ثمة فوضى، ثمة اضطرابات، هذه كلها آلام الولادة الجديدة ودماءها وسلبياتها، لكن في النهاية لابد أن يكتشف الجميع أن هذه الصراعات تؤدي إلى دمار مشترك. ترتقي الشعوب بالتجربة والخطأ وتصحيح الخطأ. 

ويُعرف أن الثورة الفرنسية (أكثر الثورات شهرة) دخلت بدورها في عنف دموي بعد الثورة مباشرة، لكنها عادت بعد فترة إلى المسار الصحيح الأفضل. ماذا تقول لنا خبرة الربيع الأوروبي أيضا؟ وهل جاءت الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقرار والسلام الاجتماعي بعد ذلك الربيع بسنوات قليلة كما يريد ويعتقد بعضنا؟ لقد حدث التالي: بعد تلك الثورات، في العام 1848 سادت حالة من الفوضى والقمع والصدام والإنقسام والإرهاب، ولَم تستقر البلدان الغربية إستقرارا كاملا إلا بعد الحرب العالمية الثانية في العام 1945، أي بعد قرن من التقلبات والتعرجات والصراعات كان بعضها دمويا. وفي بلاد مثل إيطاليا التي كانت أحد بلدان الربيع الأوروبي لم تستقر الأوضاع إلا بعد سقوط حكم الفاشية الموسولينية في منتصف القرن العشرين، وألمانيا التي كانت أحد بلدان الربيع الأوروبي، أيضا عرفت الاستقرار في وقت مماثل بعد أن تخلصت من النازية بعد الحرب العالمية الثانية أيضا. وللحديث بقية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها