النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

كتاب الايام

أحداث العراق لم تكن مفاجئة...

رابط مختصر
العدد 11254 الجمعة 31 يناير 2020 الموافق 6 جمادى الثاني 1441

صُدِمَت الطبقة الحاكمة في العراق، وخصوصا الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية الموغلة في طائفيتها والتي تشكل عصب الحكومة والسلطة التشريعية هناك، بخروج الآلاف المؤلفة من أبناء الشعب العراقي في بغداد ومحافظات أخرى في وسط العراق وجنوبه رافعة رايات المطالبة بتوفير الخدمات ومعالجة الفساد المستشري في السلطة. ولعل المراقب لمجريات الأحداث وتطوراتها في سوح الانتفاضة العراقية يلاحظ أن هذه المطالبات الخدمية توارت نسبيا وباتت اليوم لا تحظى بالأولوية كما كانت في بداية الاحتجاجات؛ لسبب بسيط وهو أن تحقيقها بات مقرونا بالإذعان إلى المطالب السياسية التي أنتجتها الاحتجاجات المستمرة منذ الأول من شهر أكتوبر من العام الماضي، وهي: «اختيار رئيس وزراء جديد من خارج الأحزاب السياسية، ومحاسبة المتورطين في قتل المتظاهرين، وإقرار قانون انتخابات جديد للانتخابات المبكرة التي يجب أن تديرها مفوضية جديدة». 

هذه هي مطالب ثوار العراق اليوم التي لم تستوعبها الطبقة السياسية حتى الساعة بدليل تكرارها الممل لخمس سنوات بترشيح رئيس وزراء من الطبقة السياسية المرفوضة والتي ولغت في الدم العراقي بسقوط أكثر من 600 قتيل وأكثر من 21 ألف جريح، بدلا من ترشيح رئيس وزراء مستقل وغير جدلي كما يطالب المحتجون. وقع الصدمة على أركان الحكم الطائفي في بغداد لم يكن عاديا، كان مدمرا لكل المخططات التي كانت تنفذها مع إيران لربط قرار العراق وسيادته بالمخططات الإيرانية. مطالب ثوّار العراق تتنامى بالقدر الذي فيه تتلكأ الطبقة السياسية عن مغادرة السلطة وتسليمها لمن هم أكفأ منها؛ حتى ينعم العراق بمكوناته المختلفة بالأمن والاستقرار ويباشر دوره في تنمية البلاد والنأي بها عن محور إيران المدمر.

 أحزاب الإسلام السياسي العراقية الممسكة بالسلطة السياسة تذهب بعيدا في إنكار المطالب الحقة للشعب العراقي وخلق المشكلات الثانوية التي تحاول من خلالها إرجاء عملية تخليها عن السلطة وإتاحة الفرصة للجيل الشاب الجديد ليأخذ دوره في إدارة شؤونه بعيدا عن المحاصصة الطائفية. وفي هذا الإطار تعمل هذه الأحزاب المستحيل، وخصوصا منها الميليشيات الطائفية التي هي عصب «الحشد الشعبي»، في محاولة منها لتجهيل المجتمع العراقي بحقيقة مطالب المحتجين وخلطها بأمور ثانوية يمكن حلها بعد تحقق المطالب. فمنذ أن قتلت أمريكا غير المأسوف عليهما قاسم سليماني وأبو المهدي المهندس، رأسي حربة التدمير الممنهج للكيان العراقي، وهي تحاول استثمار هذا الحادث لحرف المحتجين عن مطالبهم، وتستميت في توجيه الرأي العام العراقي إلى تنفيذ خروج الأمريكان من العراق، وهو الخروج الذي حشدت له أحزاب السلطة التشريعية الشيعية دون غيرها بضغط من ميليشيات الحشد الشعبي، إذعانا لأمر طلبه منها «الولي الفقيه» علي الخامنئي، خروجا بات هو الأولوية التي من خلالها تطفئ هذه الأحزاب الجذوة المتقدة للاحتجاج.

 كل الميليشيات، بلا استثناء، كان موقفها داعما لتنفيذ ما أمرها به علي خامنئي، ولم يكن منها التيار الصدري الذي يقوده مقتدى الصدر استثناء حتى لو قيل غير ذلك، بدليل أن الصدر، بعد تنامي دعوة الميليشيات الإيرانية في بغداد بإخراج القوات الأمريكية من العراق على خلفية قتل الإرهابيين سليمان والمهندس، غدر بالمحتجين، وأخرج تابعي تياره في مظاهرة قيل إنها «مليونية». وبعد فشل مسعاه التحشيدي فشلا ذريعا سحب أتباعه ممن كانوا في ساحات الاحتجاج حفاظا منه على هيبة شعبية موهومة، وعموما ليست هذه هي المرة الأولى التي يتراجع فيها مقتدى عن مواقفه. فموقفه دائما وأبدا لا يتصادم مع مواقف القيادة الإيرانية في قم، ولكن الفرق بينه وبين الميليشيات الأخرى هو أنه في ظاهره أكثر حشمة وحياء في إظهار عوراته أمام الشعب العراقي. وقد يكون ذلك تكتيكا سياسيا فيه شيء من التذاكي على ذاكرة العراقيين، أو قد يُحمل على بعض الاحترام من مقتدى لماضي والده!

 وإذا كان في خروج المحتجين إلى الشوارع للتعبير عن مطالبهم قد شكل مفاجأة للسلطات الحاكمة ولأذناب إيران وحزب الله في البلدان العربية التي ظنت أن الحكم بالهوية المذهبية هو الحل للمشكلات السياسية والاجتماعية، فإن ما حدث في العراق من حالة استلاب مارستها السلطة الحاكمة المكونة من أحزاب الإسلام السياسي النابعة في جلها من بذرة طائفية مقيتة لا تُعير اهتماما إلا لمريديها من الناس المخدوعين بعناوين مذهبية تلقى الرعاية من إيران، لكاشف عن حجم المخاطر التي تهدد كل مجتمع سمح للظاهرة الطائفية بأن تتغلغل فيه حدّ استلاب القرار الوطني السيادي. إن خروج هؤلاء المحتجين لم يفاجئ المكون الشيعي غير المنتمي إلى الأحزاب السياسية الفاسدة المرتبطة بإيران، بل إنه كان متوقعا في ظل تنامي المؤشرات الدالة على غضب شعبي عارم من سياسات عميلة خرقاء قادت البلاد والعباد إلى الهاوية، والهبة الشعبية العراقية لم تتفاجأ بها أيضا شعوب البلدان العربية، بحكم موقع العراق من الوجدان الجمعي العربي، والمطلوب من كل عربي في ظل الوضع الراهن أن يقدم الدعم المعنوي للشعب العراقي ليتم له الخلاص من هذه الطغمة الحاكمة الفاسدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها