النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11312 الأحد 29 مارس 2020 الموافق 5 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:13AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:53PM
  • العشاء
    7:23PM

كتاب الايام

مصير الإنسان بين العلم والسياسة

رابط مختصر
العدد 11252 الأربعاء 29 يناير 2020 الموافق 4 جمادى الثاني 1441

مع تطور الإنسان تكنولوجياً وتشعب النشاط الاقتصادي، فإن العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والبيئة (الطبيعة)، تعقدت بشكل مفرط قد يفقد الإنسان الإرادة والقدرة على التحكم في مصيره، لأنه قد لا يكون بمقدوره ضبط إيقاع نشاطه الاقتصادي والسياسي؛ فمصير الإنسان تحت رحمة نشاطه المعقد. أهم القضايا، وهي مشاكل مصيرية، التي خلقها الإنسان ويواجهها الإنسان، هي البيئة والاقتصاد. الاقتصاد يتدحرج منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وإلى اليوم على منزلق الأزمات التي تهز المجتمعات وتزيد من الفقر وعدم الاستقرار السياسي وتفكيك المجتمعات وتفجير الحروب، فالحرب العالمية الثانية تفجرت من الأزمة الاقتصادية الكبيرة عام 1929، والأزمات الاقتصادية اللاحقة فجرت حروباً بالوكالة، خاصة وأن الحروب بالوكالة هي من صنع الكبار الذين يتفادون، إلى اليوم، المواجهة المباشرة بفضل الردع النووي، ولكن يبدو أن هذا الردع النووي آيل إلى الأفول بعد صدور بعض التصريحات المرعبة من قبل الكبار بإمكانية الخيار النووي عند الضرورة، إضافة إلى سعي دول من العالم الثالث امتلاك السلاح النووي نتيجة لغياب الاستقرار السياسي على مستوى العالم أجمع.

وهذا الاقتصاد الذي يعاني من أزمات متصاعدة هو الذي ساهم، من خلال النشاط الصناعي، في خلق أزمة بين الإنسان والطبيعة، فالنشاط الصناعي للإنسان قد أساء إلى الطبيعة ولوثها وأصابها بأمراض؛ وعندما تمرض الطبيعة، وهي الأم المرضعة، فقل على الرضيع، الإنسان، السلام. 

في مواجهة هذه الأزمات التي تدق ناقوس الخطر على مصير الإنسان تطوع عدد من العلماء والخبراء بدراسة الواقع الاقتصادي والبيئي، دراسة أكاديمية وميدانية لتشخيص المرض أولا ومن ثم طرح الحلول. العلماء والخبراء هم الذين بيدهم الحلول، تلك الحلول التي لا ترتبط بالمصالح الذاتية ولا بالمصالح الوطنية الضيقة، بل تلتزم جوهريا بمصير الطبيعة في كليتها وبما تحتضنه من إنسان وحيوان ونبات، إنها نظرة كونية شاملة، وبدونها لا يمكن الاطمئنان إلى أي حل آخر، فالرأي الفصل (النصيحة) عند العلماء والخبراء، ولكن القرار بيد السياسة و ليس بيد العلم، فبين العلم والسياسة هناك مسافة من الشك وعدم الاطمئنان المتبادل، وهذا هو الأساس في القضايا المصيرية التي تدق ناقوس الخطر. 

الإنسان بفطرته ومن على سطح طبيعته لا يستسيغ النصيحة، لأن النصيحة هي مؤشر على غفلة المنصوح أو جهله؛ ومن موقع سيكولوجية الكبرياء عند كل إنسان، فلا أحد يستجيب ببساطة وعفوية وطمأنينة لأية نصيحة كانت، خاصة إذا كانت النصيحة قد وردت دون دعوة؛ إن عدم استساغة النصيحة لا علاقة له بفحوى النصيحة و لكن بصاحب النصيحة والشك في نيته وما الذي يريد تحقيقه ذاتيا من تمرير النصيحة وسلامة عبورها إلى حيز التطبيق، وهذا هو بيت القصيد بين الذي يعطي النصيحة والذي يتلقى النصيحة. 

كلما صعدنا على بنية الهرم الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أعلى فأعلى كلما كانت مسافة الشك بين الناصح و المنصوح أوسع وأشد حدة والهاجس أكثر حساسية، خاصة عندما ينبع الشك أو الهاجس من موقع المصلحة ذات الطابع الأناني بشكل خاص، والمصلحة قد تكون ذات علاقة بمكانة اجتماعية أو موقع اقتصادي (استثماري أو تنفيذي) أو سلطة سياسية؛ والسياسيون وما يملكون من سلطة، وهم الذين في قمة الهرم وبعهدتهم مصير الأمم، هم الأكثر شكا وتوجسا من طبيعة النصيحة ومن نوايا الناصح مقارنة ببقية الطبقات في أدنى قمة الهرم. لكل طبقة في هيكل الهرم سيكولوجيتها المميزة التي تُطَبِّعُ سلوكية ونمط تفكير الفرد في هذه الطبقة. 

السياسي يشعر بالأمن والأمان من كل شيء في الوسط الذي يحيط به ويعيش فيه، مهما كان هذا الوسط سيئا وملوثا و حتى خطرا، ولكنه لا يشعر بالأمن والطمأنينة من كل الذين يعيشون حوله والذين يدير شئونهم و من السياسيين الذين يعمل معهم؛ أي أن السياسي، بشكل عام، لا يثق بنائبه ولا بالمستشار الذي إختاره ليكون دعما له في مهماته، إنه يتوجس الغدر من السياسيين الذين يحيطون به و يتعامل معهم، و يرتعب من تمرد الذين هم تحت إمرته، و يهاب العلماء و الخبراء الذين يستخلصون من دراساتهم أفكارا لا ترقى إلى درجة القبول، لأنها في ظنهم قد تمس مصالحهم أو تهز كراسيهم أو تحد من نفوذهم... الأمر ليس كونه صوابا أو خطا، إنما هذه هي طبيعة العلاقة التي يفرزها كرسي الإدارة (السلطة) مع الذين يعملون أو يعيشون تحت سقف (إمرة) الإدارة... والسياسة سلطة، وقد يكون صاحب السلطة مشرفا متواضعا يشرف على عمل عامل أو أكثر، أو امبراطورا يشرف على أمة كاملة ويثير الفزع بين الأمم المحيطة به... صاحب السلطة في قرارة نفسه يقول: «أنا أدرى بشئون سلطتي من غيري، كان من كان هذا الغير». 

في مجال البيئة وما تعانيه من عبث التلويث علي يد الإنسان، مازال العلماء والخبراء يدرسون ويبحثون ويقدمون النصائح إلى أصحاب القرار، ولكن لا حياة لمن تنادي؛ وقد سمعنا آخر صرخة في قاعة اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر 2019 من فتاة صغيرة تركت كرسي الدراسة لتحذر زعماء العالم؛ إنها «غريتا ثونبرغ (Greta Thunberg )، العمر 16 سنة، فتاة سويدية في عمر الزهور، ناشطة مجاهدة مثابرة في مجال حماية البيئة؛ لقد هالها أن ترى أن قادة الدول، وخاصة الدول الكبرى وهي غنية، لا تبالي بما يحدق من مخاطر كارثية بالطبيعة، لا رجعة فيها، نتيجة للتغير المناخي الذي أحدثته ومازالت تحدثه، على وتيرة متصاعدة، عجلة الصناعة في منظومة الإنتاج الرأسمالي التي تأبى التخطيط، وتصر على اعتماد آلية استهلاك الموارد الطبيعية وطاقات العمل من أجل تكديس المخازن والأسواق المحلية والعالمية بالبضائع الاستهلاكية أساساً»؛ ولكن الزعماء الكبار استهزؤوا من هذه الصرخة ولم يلقوا لها أية لفتة سوى اللامبالاة. 

في المجال الاقتصادي فقد بح اليوم صوت الخبير الاقتصادي الأستاذ طلال أبو غزالة وهو يحذر من أزمة اقتصادية يتخطى حدودها وآثارها جميع الأزمات السابقة، وكيف أن الأزمات السابقة كانت مرتبطة بالمال والأنشطة المالية والعقارية، بينما اليوم نحن نواجه أم الأزمات في قلب الاقتصاد؛ أزمة اقتصادية ستهز عروش المال والعقار، وقد تتسبب في حرب عالمية ثالثة؛ وهذه الحرب لا مفر منها ويرى الأستاذ أبو غزالة بأنها ستكون حرباً تجارية بين قوة عظمى (أمريكا) في مواجهة قوة عظمى صاعدة (الصين)، وللطرفين حلفاء، كبار وصغار؛ والخوف أن هذه الحرب، التي بدايتها تجارية، قد تنزلق رغم إرادة الكبار إلى حرب ضروس. 

ولكن لا حياة لمن تنادي 

العالم والخبير، والخبير عالم في مجال تخصصه، كلاهما ينظران إلى نشاط الإنسان نظرة شاملة ترى الأثر والتأثير بين نشاط الإنسان والإنسان، بين نشاط الإنسان وبيئته، ويعملان من أجل المحافظة على التوازن بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والطبيعة.. بينما المستثمر السياسي والمستثمر الاقتصادي ينظر كل منهما إلى الإنسان والبيئة (الطبيعة) بمنظار المصلحة الذاتية الضيقة (فردية أو وطنية)، فتتحول بقية الصورة، وهي الأكبر والأهم، إلى غمامة تحجب الرؤية، ومن هنا تتفجر الأزمات والكوارث. إن طبيعة العلاقة بين العلم والسياسة، بين النصيحة والقرار، مازالت الشك وعدم الاطمئنان ورفض القبول، بخلاصة «لا حياة لمن تنادي»، إلى أن تحل الكارثة التي لا رجعة عنها، وعندها يتوقف التاريخ عن استذكار الندم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها