النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

كـــذبـــتُ أمـــــي

رابط مختصر
العدد 11250 الإثنين 27 يناير 2020 الموافق 2 جمادى الثاني 1441

من زمن أغنية (ماما زمانها جاية) إلى زمن أغنية (baby shark) تغيرت أمور كثيرة عندما كنت أتجول في وسائل التواصل الاجتماعي وتوقفت عند مقولة الدكتورة نوال السعداوي إذ قالت: «الصدق هو... صدق التفكير وصدق الإحساس وصدق الأفعال»، ما قرأته ليس بالجديد ودارت أسئلة كثيرة في مخيلتي أحببت أن أشارككم فيها، ليس بهدف الإجابة وإنما بهدف لتقييم ذاتنا وقياس مدى ما قرأناه وانعكاساته على انفسنا، فهل من الحكمة أن نكون صادقين في كل الأحوال؟ وهل الصدق حقًا منجاة من كل الشرور؟ وهل من ضربية تدفع مقابل قيمة مشكوك في واقعيتها؟ ففي زمن السطحية والزيف اختلط الكثير من الكذب مع القليل من الصدق وضاعت الحقيقة في غياهب الليل.

في حين أن الدين يحثنا على الصدق، الأخلاق تدعونا للصدق بالمقابل. مجريات الحياة تمجد الكذب وتحرض على الفجور بالكذب وعلى من يتمسك بجمار الصدق أن يتحمل تكاليفه الباهظة فصدق الإحساس غالبًا ما يقابل بالخذلان، وصدق الأفعال غالبًا ما يقابل بالتشكيك، وصدق التفكير غالبًا ما يقابل بالتكفير. 

تعلمنا منذ كنا صغارًا أن الذين يكذبون أشكالهم قبيحة وأنوفهم طويلة وشفاهم غليظة، وعندما كبرنا اكتشفنا أن بعض الذين يحترفون الكذب يتمتعون بجمّال أخّاذ، ويقاس على ذلك لم يعد اللص هو من يلبس القناع الأسود ليخفي ملامح وجهه ولم يعد اللص هو من يتسلق مواسير البيوت بكل رشاقة واقتدار، فقد ترتكب جرائم السرقات والسارق في بيته يشرب قهوته الساخنة ويدخن سجارته وهو جالس أمام جهاز الحاسوب. 

ولم يعد الليل هو الوقت المثالي للسرقة رغم أن قانون العقوبات يعتبر الليل ظرفًا مشددًا للعقوبة؛ لأنه بكل بساطة أكبر جرائم السطو والسرقات ترتكب في وضح النهار. 

من زمن أغنية (ماما زمانها جاية) إلى زمن أغنية (baby shark) تغيّرت أمور كثيرة، فبعض مرتكبي جرائم الأموال لا يسرقون لأنهم فقراء أو محتاجين وإنما يسرقون؛ لأنه فعل اختلاس مال مملوك لغيره يشعره بالنشوة والسعادة. 

وقد يمقتُ الإنسان قول الحقيقة ويتلذذ في الفجور بالكذب لا لشيء إلا لأن الكذب يعزز مواطن وسمات الشخصية العدائية المعروفة بسايكوباثي. 

لستُ هنا للوعظ وتمثيل الإرشاد، وإنما لتقليب وتحسّس كل جوانب قيمة الصدق التي ليست بالضرورة شر محض ورذيلة لا تغتفر. 

إنا هنا للتحريض على الكذب الذي يزيد الإنسان جمالاً...

نعم... مارسوا الكذب إذا كان الصدق ينتج الحروب.

مارسوا الكذب إذا كان الصدق يغلظ القلوب ويشتت النفوس.

بعض الأحيان نضطر إلى ممارسة عملية إحلال الكذب طالما كانت الغاية تعزيز قيم ومفاهيم إيجابية ليصبح الكذب فيما بعد حقيقة، فلا نظلم الكذب ونتظاهر بالمثالية المزيفة.

عندما كنت أدرس خارج البحرين دخلتْ أمي في وعكة صحية شديدة، وعندما كنت أتواصل معها كانت تتحدث وتضحك بكل أريحية، وعندما كنت أسألها عن صحتها تجيب أنها تتمتع بصحة ممتازة، أمي كانت تكذبُ لكي أواصل طريقي نحو هدفي العلمي.

وعندما كان أبي يمد يده ليعطيني النقود كان يشعرني أنه أغنى رجال العالم، أبي كان يكذبُ؛ لأن ما أعطاني إياه كان آخر ما في جيبه. 

وعندما كبرتُ مارستُ الكثير من الكذب على أمي وأبي لكي لا يتألمان أحيانًا ولكي لا يقلقان أحيانًا أخرى. 

هذا هو الكذب الراقي الجميل، هذا هو الكذب المبهر النبيل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها