النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11376 الأحد 31 مايو 2020 الموافق 8 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:56PM

كتاب الايام

قاسم حداد.. إنجازٌ آخر

رابط مختصر
العدد 11248 السبت 25 يناير 2020 الموافق 30 جمادى الأولى 1441

في العام 2001 التقينا في المنامة في حفل بهيج جمع كوكبة من الأدباء والفنانين والمثقفين بمناسبة فوز الشاعر القدير قاسم حداد بجائزة العويس في الشعر، متخطيًا 604 مشاركين من الوطن العربي. كان ذلك فوزًا كبيرًا للبحرين وأدبائها ومبدعيها. وكان إنجازًا غير مسبوق يحققه الشاعر، في جائزة هي من أهم الجوائز الأدبية في الوطن العربي. وجاء هذا الفوز لشاعرنا الكبير بجدارة واستحقاق، بعد أن أسس قاسم لنفسه مكانة رائدة في الشعر العربي، فهو يعتبر أحد أبرز الشعراء العرب المحدثين الذين ظهروا في الستينات من القرن الماضي. كان ذلك الفوز الذي كنّا نتوقعه لمنجز شعري متميز اشتغل عليه قاسم حداد عبر عقود طويلة من المثابرة والبذل والاجتهاد، مع موهبة شعرية ملفته إمتلكها الشاعر. 

القريبون من قاسم حداد، وأنا منهم يعرفون تمامًا الهاجس الشعري المتوقد الذي انشغل به منذ بداياته الأولى في ستينات القرن الماضي، والذي استمر معه حتى هذه اللحظة على نفس الوتيرة. كان قاسم يطمح للوصول الى كتابة شعرية مختلفة، غير مسبوقة، تتجاوز الموجود في الساحة الشعرية المحلية والعربية. وكان مثل أبي تمام المجدد في الشعر العربي، يطمح إلى التجديد والمغاير، رغم أن الشعر الحر الذي انتشر في الستينات من القرن الماضي، بعد الشعر المقفّى، كان تجديدًا شعريًا في حد ذاته، إلا أن قاسم كان يريد أن يتقدم أكثر، دون أن يكتفي بهذا الجديد، كان يبحث عن الجديد في الجديد، ساعيًا للتفوق على المنجز الشعري القائم والوصول إلى ما لم ينجز، ولَم يصل إليه أحد قبله. 

وهذا هو دأب وطبع الشعراء الفحول الذين يذهبون إلى مسافات يصعب الوصول إليها، مساحات أبعد. كان من الطبيعي في هذه الحالة أن يقوده ذلك الهاجس القلق الذي هو غذاء الشاعر اليومي، إلى الاشتغال على اللغة الشعرية بالدرجة الأولى، باعتبارها جوهرًا للشعر، فالأدب هو في كل حالاته لغة أولاً وأخيرًا. واللغة تأتي قبل المعنى فهي التي تميز بين ما هو أدبي، وما هو غير أدبي. كان قاسم يدرك هذه الحقيقة فاجتهد في تشكيل لغته الخاصة التي تمنحه الفرادة والتميز. وكان لا بد لهذه اللغة الشعرية أن تكون غنية وغزيرة تبتعد عن المباشرة  الفجة، وتذهب إلى فضاء التأويل والتعدد في المعنى، لتأتي قصائده محملة بدلالات عدة في وقت واحد، يختلف النقاد في تفسيرها ويتفقون على جودتها وإمتيازها. ذلك ما كان يريده شاعر عربي مجدد نبغ في الشعر وبلغ فيه شأوا، هو الشاعر أبو نواس، الذي صاغ ما يريده قائلاً: غير أني قائلٌ ما أتاني/‏ من ظنوني مكذبٌ للعيان/‏ آخذٌ نفسي بتأليف شيءٍ /‏ واحدُ اللفظِ شتّى المعانيِ /‏ قائمٌ في الوهمِ حتى إذا ما/‏  رُمتَهُ رُمتَ معمى المكانِ. 

هذا ما كان ينشده الشاعر قاسم حداد أيضا وشعراء الحداثة الآخرون من مجايلي قاسم، ذلك أن هذا النمط من الشعر هو ذروته وأعلى ما يصبو إليه ويصل إليه الشاعر، وهو يحتاج إلى ملَكة وموهبة  وحاسة شعرية يقظة، وشعرٌ ذات ظلال، تتعدد فيه المعاني ويحتار المؤولون. 

والذين تابعوا قاسم حداد وأنا أحدهم منذ تعرفنا على الكتابة معا في الستينات من القرن الماضي، لاحظوا هذا التجدد والتنوع، والشغف في التطوير والتجويد والبحث عن صيغ شعرية جديدة، ذلك كان دأب قاسم في محطات شعرية متعددة. كان ذلك يُبعد كتاباته عن التكرار والرتابة والثبات. 

وهكذا هو قاسم؛ دأبه الانزياح المستمر، مغمورا بالقلق والوجل والتشكيك في ما يكتب، وعدم الاكتفاء بما أنجز، وفي رغبة دائمة للتجاوز، تجاوز الشعراء الآخرين وتجاوز نفسه. بلا شك وجد النقاد العرب هذه الطاقة الشعرية الملفتة عند شاعرنا قاسم حداد، الذي شارك في الكثير من الأمسيات واللقاءات الشعرية في أقطار عربية عدة مشرقًا ومغربًا، عبر عقود. مع الموهبة والكدح كانت هناك المعاناة عند قاسم، والانصهار في الهموم الإنسانية والألم والمحنة والفجيعة وفداحة التناقضات، والأحلام المجهضة والأماني الضائعة. 

هموم الآخرين هي هموم قاسم، وما من شاعر يقف متفرجًا على المآسي والعذابات، وما من شاعر نبيل ينجو من مرجل الحياة الذي يغلي، ومرجل الشعر الذي يشتعل. من هنا وهناك استلهم قاسم قصائده وصاغ شعره، كما صاغته حياته، ومنح الشعر ذاته، فمنحه الشعر جوهره وأثمن ما فيه. 

كان الصديق الحميم قاسم يدرك أن جزء ليس يسير من الشعر هو موسيقى خالصة، فلم يغويهِ في زمن الشعر النثري ذلك المنزلق الذي ذهب إليه الكثيرون، حين تخلوا عن الموسيقى فتخلى عنهم الشعر. كنت عبر هذه السنوات والعقود ألاحظ كيف كان قاسم يحتفظ بموسيقى الشعر بقدر ما تجيز له مخيلته. كان يذهب في الشعر إلى الطريق الذي ليس له نهاية، الطريق الذي يبتعد ويتسع كلما توغلنا فيه، فمسافة الشعر بلا نهاية. 

في العام 2016 نال قاسم جائزة أدبية ثمينة أخرى، هي جائزة الشاعر أبو القاسم الشابي ومكانها تونس، وشارك فيها 111 شاعرًا من الدول العربية. في نفس الوقت جائته جائزة من الطائف في المملكة العربية السعودية الشقيقة فكانت الثالثة. 

في هذا العام 2019 حصد قاسم جائزة من قلب الثقافة العربية الأول، من مصر العزيزة، في الدورة الشعرية الخامسة للشعر العربي التي يقيمها المجلس الأعلى للثقافة، وشملت فعاليات ثقافية اشترك فيها أكثر من مائة شاعر وناقد من 15 دولة عربية، وكان الشاعر قاسم حداد هو الشاعر الخامس الذي يفوز بهذه الجائزة الكبيرة، بعد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي من مصر، والشاعر عبد العزيز المقالة من اليمن، والشاعر محمد إبراهيم أبو سنة من مصر. 

بذلك يكون قاسم حداد قد حقق له ولنا وللبحرين مكانة رفيعة في الثقافة العربية، فالبحرين تقف مع مصر وفلسطين واليمن في مقام شعري رفيع. كما أن هذه الجائزة تؤكد للملأ أن البحرين لا زالت، كما كانت موئلاً قديمًا جديدًا للثقافة والأدب من طرفة ابن العبد إلى قاسم حداد، وإلى من سيأتون في المستقبل. 

أهنئ الصديق العزيز قاسم حداد الذي ربطتني به علاقة حميمة زهاء أكثر من نصف قرن، في طريق المعاناة الوطنية والقومية، في حركة القوميين العرب التي صاغت وعينا الأول، والمعاناة في الكتابة، وزمالتنا في أسرة الأدباء والكتاب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها