النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

الكذبة التي أبكت الملايين

رابط مختصر
العدد 11245 الأربعاء 22 يناير 2020 الموافق 27 جمادى الأولى 1441

الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 تعرضت أمريكا لهجمات محسوبة بدقة ولكنها لم تكن متوقعة من أجهزة الرصد والترصد في المؤسسات التنفيذية في أمريكا، رغم دقة حسابات أجهزة المخابرات الأمريكية، كان يومًا كارثيًا لأمريكا، رغم أن طبيعة الحدث الكارثي! وحجمه وآثاره لا تذكر بشيء مقارنة بما أحدثته هذه الدولة العظمى بدول العالم الثالث وبشعوبها من كوارث وآلام مازالت آثارها باقية رغم مرور عقود عليها، وهكذا العلاقة غير المتوازنة بين القوي والضعيف في عرف التاريخ، تلك الكارثة هي بمثابة لسعة حشرة في جسم غول ضخم، ولكن اللسعة قد تخطت الخط الأحمر للكرامة العظمى. هذا اليوم الكارثي أضحى يوم ذكرى مهينة أكثر منها مؤلمة للشعب الأمريكي ولهيبته السياسية وسلطته الاقتصادية ونفوذه المخابراتي الذي يتحسس ويلمس كل كبيرة وصغيرة في العالم أجمع، وعملت القيادة السياسية عبر الأدوات الإعلامية على زرع هذا اليوم في النفسية الجمعية للشعب الأمريكي، وقد تقبلت هذه النفسية على المستوى الشعبي اعتبار الحادي عشر من كل عام يوم ذكرى الكارثة (اللسعة) حتى يتجذر الحدث في النفس أعمق عامًا بعد عام، وحتى يشعر الشعب الأمريكي أنه مستهدف دومًا من عدو خارجي، وبهذه النفسية الجمعية الملتزمة بذكرى الكارثة والإيحاء بالعدو المتربص دومًا للنيل من الإنسان الأمريكي يتحقق للنخبة السياسية إجماع شعبي يلتف مطمئنًا حول هذه النخبة، وهو مكسب سياسي نوعي... الذاكرة الشعبية المتجددة بأنواعها ومشاربها، إن كانت سياسية أو دينية، شرقية أو غربية، والتي تجترها النفوس في مناسبات سنوية على مدار السنين والعقود والقرون، تكتسب مسحة من القداسة تسجد لها الغالبية من العامة بانصياع أعمى وتتعاطى مع الذكرى إما بروح وطنية خالصة أو عاطفة عقيدية مفرطة، ولكنها من جانب آخر تفتح الأبواب على مصراعيها أمام أشكال من النوايا التي ترى في الذكرى فرصة لتحقيق مآرب هذه النوايا، وتتدرج النوايا من تحقيق الذات وإثباتها بغية الوصول إلى المناصب العليا، إلى مكاسب مادية للذات بغية الإثراء، وكل أصحاب هذه النوايا يعزفون على أنغام الوطنية والعقيدية. الدور الرائد كان للإعلام، الذي دخل عالم الكسب التجاري، على المستوى المحلي الأمريكي والعالمي، فبرز على مسرح الإعلام جميع أصحاب النوايا، ونواياهم ليست بريئة ولا حسنة، من سياسيين من مختلف الرتب وفرسان الإعلام ممن درج الإعلام على تسميتهم بالخبراء والمختصين، فمنهم من حقق مكسبًا آنيًا ومنهم من ارتقى سياسيًا، أو حتى وظيفيًا، والقليل حقق قدرًا من المكسب المالي الذي حسن من مستوى معيشته ومكانته الاجتماعية، ومعادلة الذاكرة الشعبية مع أنواع النوايا غير الحسنة هي سائدة في جميع الثقافات وبين جميع الشعوب. 

من بين كل أصحاب النوايا لمع اسم، غير متوقع، من خارج أمريكا على الشاطئ المقابل للأطلسي، من اسبانيا... امرأة أسبانية كانت طالبة في جامعة في اسبانيا تحضر لشهادة الماجستير يوم الحدث الكارثي في أمريكا، ولم تكن قط قد سافرت إلى أمريكا. في أجواء ثقافة الحادي عشر من سبتمبر قدمت وسائل الإعلام الأمريكية هذه المرأة باسم تانيا هيد، بينما اسمها الأصلي الرسمي أليسيا هيد، وبأنها مواطنة أمريكية.

 بعد عامين، أي في عام 2003، سافرت أليسيا هيد إلى أمريكا وغيَّرت اسمها في المجتمع الأمريكي إلى تانبا هبد، ويبدو أن الاسم الجديد له رنة أنعم على السمع الأمريكي من اسمها الرسمي الأصلي ولتفادي التعرف على حقيقتها، وما غيّرت اسمها إلا لنية مبيتة في نفسها كانت ترمي إلى تحقيقه، خاصة وأنها ادعت كذلك أنها أمريكية. مع تغيير الاسم والادعاء بالمواطنية الأمريكية استطاعت أن تتقرب إلى نفوس الأمريكان في المحيط الذي كانت تعيش فيه. مع مرور الأيام وبحساب زمني مخطط لكل خطوة أخذت تتقرب من الذين نجوا من كارثة البرجين وبأنها واحدة منهم، واستطاعت أن تكسب ثقة القائمين على جمعية الناجين، إلى أن تمكنت من الصعود إلى رئاسة الجمعية. كانت نشطة، وتحت رئاستها للجنة ازداد عدد الأعضاء في اللجنة.

اخترقت الإعلام وصارت مشهورة يتقرب إليها أصحاب النفوذ لترسيخ نفوذهم، وتزلف إليها أصحاب الطموحات للارتقاء إلى مواقع النفوذ. دغدغ الطموح مشاعرها، أكثر فأكثر في أجواء الشهرة، لتشتهر أكثر وتكسب أكثر، حبكت قصة تجمع بين ثالوث المسرح، الدراما الممزوجة بالتراجيديا والبطولة، فكانت قصة نجاتها وهي في البرج الجنوبي (أحد برجي التجارة العالمية) في الطابق 78، وأن النيران كانت تلتهم ثيابها وتحرق جلدها، ويد تتدلى وهي مكسورة، وأن زوجها قد فحمته النيران، ولكنها استطاعت أن تهبط إلى أرضية البرج وتهرب وتنفذ بجلدها وحباتها قبل انهيار البرج، فكان نجاتها معجزة !!!. رغم وجود قصص كثيرة رواها الناجون، إلا أنها لم ترقَ إلى هذا المستوى المسرحي الذي أبكى الملايين، واكتسبت صاحبة الرواية الملفقة، مثلما أرادت، شهرة مضافة وكسبًا ماليًا مجزيًا.

في الذكرى السادسة، عام 2007، اكتشفت جريدة نيويورك تايمز الأمريكية الكذبة الكبرى من خلال التغطية الإعلامية للذكرى، لأن ناتيا هيد أضافت أكاذيب يمكن بسهولة التحقق منها عندما ادعت أنها خريجة جامعة هارفرد، وتبين بعد التحقيق أن اسمها غير مدرج في سجلات الجامعة، فكانت نقطة الانطلاق للكشف عن حقيقتها، وقد انتشر خبر الكذبة كالنار في الهشيم، وفي فترة قصيرة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي انتشرت هذه الرسالة: «الأمريكية تانيا هيد أشهر ناجية من أحداث 11 سبتمبر أبكت العالم بقصة نجاتها من الموت لدرجة أنها قامت بتأليف كتاب باعت منه ملايين النسخ مع تحقيق أرباح خيالية، لاحقًا اكتشفوا أن تانيا هيد لم تكن في أمريكا وقت الحادثة». مع انتشار الخبر واكتشاف حقائق أكثر، يومًا بعد يوم، تكونت المواد الكافية لتأليف كتاب عن هذه الخدعة التي انطلت على الشعب الأمريكي طوال خمس سنوات، فصدر كتاب عنوانه «المرأة التي لم تكن هناك: القصة الحقيقية للخداع المذهل» تأليف روبن جابي فيشر وأنجيلو جوغليمو الأصغر.

الغريب في الكتاب أن المؤلفان يطرحان سؤالًا حرجًا ولكنه مقلوب، «ما هي سيكولوجية هذه المرأة التي استساغت ونجحت في تمرير خدعة بهذا الحجم والتأثير على كامل الشعب الأمريكي؟»، لا شك إن السؤال يئن بالحرج والألم والمهانة، لكنه سؤال مقلوب، لأن السؤال الأهم، الذي لم يتبادر إلى ذهن المؤلفين هو: «ما هي سيكولوجية الشعب الأمريكي (السيكولوجية الجمعية) التي استطاعت خدعة من العيار الثقيل أن تخترق عقله؟»... وهذا السؤال أعمق أثرًا على كبرياء شعب لدولة مازالت هي الأعظم في العالم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا