النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11316 الخميس 2 ابريل 2020 الموافق 9 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

كتاب الايام

خالد بن أحمد.. وأنا

رابط مختصر
العدد 11244 الثلاثاء 21 يناير 2020 الموافق 26 جمادى الأولى 1441

مرَّت بشريط حياتي بوزارة الخارجية الكثير من المحطات.. محطات جميلة ومحطات قاسية أحيانًا، تعلمت منهما الكثير في مسيرة الحياة.. وكان خالد بن أحمد أحد هذه المحطات التي شكلت حالة فريدة من نوعها.. حالة إنسانية متميزة بكل ما تعنيه الكلمة.. محطة مؤثرة في مسيرة حياتي لأنها كانت محطتي الأخيرة بالعمل الحكومي، أعتز بها وبإنجازاتها التي حققتها معه في خدمة البحرين وفي أوقات صعبة، ما عزز علاقتي به وثقته بي في إدارة أهم الملفات السياسية بالوزارة التي كانت شاملة كل الشأن السياسي بدءًا بالأمم المتحدة وانتهاءً بمجلس التعاون والمؤتمر الإسلامي، وكل ما يخص علاقات البحرين بالمجموعات الاقتصادية الكبرى في العالم والأحلاف العسكرية كحلف شمال الأطلسي (الناتو) والمشاكل الصعبة كأفغانستان وجنوب السودان التي زرت عواصمها، واجتمعت مع قادتها وكبار ساستها في إطار الإسهام بوضع حلول للعديد من الازمات الإقليمية والدولية. 

والشيء المميز في خالد بن أحمد حضوره المتميز في المؤتمرات والاجتماعات العربية والإقليمية والدولية وعند مواجهة الصحافة الغربية والعالمية مباشرة، وكان دائمًا لافتًا في ردوده وسرعة البديهة التي يتمتع بها ومقنعًا في مداخلاته التي تعلمت منها الكثير، لذلك كانت هناك ثقة متبادلة وتفاهم مشترك في علاقتنا وفي الرؤية العامة للأمور والمواقف وتجاه إدارة القضايا الصعبة التي واجهت البحرين في عام 2011، وإدارة العمل السياسي بالخارجية. 

لقد كان علينا في الخارجية الدفاع عن مواقف البحرين أمام الدول التي كانت تتربص بالبحرين في قضايا حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير -بعد عام الأحداث المؤسفة- وأمام قادة دول العالم وسياسييه في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الآسيان والصين والهند وغيرها، وكذلك مواجهة بعض الدول العربية في الجامعة العربية كسوريا والجزائر والعراق ولبنان، إبان ذلك الوضع الصعب والشكوك الدولية المحيطة به من كل جانب بسبب الإعلام والفضائيات التي نقلت صورًا مشوهة لمجريات الأحداث المؤسفة في البحرين عام 2011 والأعوام التالية. 

لقد كان انتزاعنا لمواقف دول العالم السياسية الداعمة لوجهة نظر البحرين أمرًا صعبًا للغاية، إلا أنه تحقق وانعكس في البيانات السياسية التي تصدرها هذه الدول والجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي ومجلس حقوق الإنسان في جنيف. وكنت دائمًا على تواصل بمعاليه في تلك المؤتمرات بالرسائل الإلكترونية القصيرة من داخل قاعات المؤتمرات أو الاجتماعات الإعلامه أولاً بأول بالتطورات الجارية والاستماع الى توجيهاته.

وتعيدني الذاكرة الى أيام الأحداث المؤسفة في مارس 2011 وقراره بفتح مكتب لوزارة الخارجية على مدار الساعة في مدينة العوالي بعدما اتصلت به في 13 مارس، ذلك اليوم الأسود الذي منعت فيه من الدخول الى مبنى وزارة الخارجية، حيث تم إيقافي من قبل مجموعة ارهابية واجبرتني بعد التحقيق معي على العودة من حيث أتيت. لقد كانت فترة حاسمة في تاريخ البحرين تلك التي قمت فيها بإدارة فرع الخارجية بالعوالي لأكثر من ثلاثة شهور، حيث تم التواصل مع سفارات البحرين في الخارج وإرسال التعليمات والتوجيهات الدبلوماسية والسياسية، كما أدار المكتب خطة التحرك السياسي والحقوقي لما كانت تواجهه البحرين من تشويه لسمعتها ومكانتها الدولية وعُقِدَت فيه اجتماعات عمل لمجموعة كبيرة من نشطاء المجتمع المدني وتكليفهم بزيارات الى العديد من العواصم العربية والأجنبية كالوزيرة السابقة سميرة رجب، والكاتبة المعروفة سوسن الشاعر، ومساعد الوزير الحالي عبدالله الدوسري، وعضو مجلس الشورى دلال الزايد، والمحامي فريد غازي، وغيرهم من الشخصيات البحرينية المخلصة التي عملت من أجل البحرين.

بدأت المرحلة الأخيرة من حياتي في العمل السياسي والدبلوماسي مع خالد بن أحمد عام 2006 بعد أن عدت من بروكسل التي كنت معينًا فيها سفيرًا لمجلس التعاون لدى الاتحاد الأوروبي، وكان قرار العودة للبحرين بعد اجتماع بيننا في باريس ناقشنا فيه عودتي لديوان وزارة الخارجية ومباشرة عملي وكيلاً للوزارة وعدم التجديد لمنصبي سفيرًا لدى الاتحاد الأوروبي. وكانت رغبة معاليه في تعييني وكيلاً للخارجية قائمة في إطار التجديد الشامل لطريقة إدارة العمل السياسي والدبلوماسي والإداري بالوزارة وزيادة فاعليته بما يحقق نقلة نوعية متقدمة لتحقيق أهداف السياسة البحرينية الخارجية.

 وقبل أن أتابع، تأخذني الذاكرة للخلف الى صيف عام 1979 وهي المرة الأولى التي ألتقي خالد بن أحمد بوزارة الخارجية - كنت أعمل سكرتيرًا لمكتب سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير الخارجية - عندما دخل طالبًا مقابلة سموه؛ من أجل العمل بالخارجية خلال فترة الصيف وقبل العودة الى تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته العليا التي نال منها شهادة البكالوريوس في التاريخ والعلوم السياسية من جامعة سانت إدوارد في عام 1984، وعمل أثناء فترة دراسته كمتطوع في العديد من الحملات الانتخابية الأمريكية ومنها حملة الرئيس جيمي كارتر في عام 1980. إلا أن معاليه لم يكن يعلم بأنه سيكون يومًا ما وزيرًا للخارجية وبالتحديد في 26 سبتمبر عام 2005 وأكون أحد معاونيه. وقبل ذلك تشاء الظروف أن يلتحق خالد بن أحمد بالعمل دبلوماسيًا في الخارجية ومن ثم سكرتيرًا ثانيًا بسفارة البحرين في واشنطن ليعود بعدها ليكون ضمن فريق البحرين المسؤول عن ملف قضية الخلاف الحدودي مع قطر حول جزر حوار لينتقل بعدها الى ديوان سمو ولي العهد عام 2000 مديرًا لإدارة العلاقات العامة والمعلومات ثم عين سفيرًا للبحرين في لندن في سبتمبر 2001. 

وأستطيع القول إن معالي وزير الخارجية أثناء فترة عمله التي امتدت الى خمسة عشر عامًا، تابع نهج سياسة سلفه سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة القائمة على مرتكزات ومبادئ السياسة الخارجية لمملكة البحرين التي تلتزم بالتوازن والاعتدال، وبأهداف رئيسية من أهمها تأكيد سيادة واستقلال مملكة البحرين ووحدة أراضيها، وحماية أمنها والدفاع عن مصالحها، وتعزيز مكانتها وسمعتها الخارجية وترسيخ صورتها الحضارية، وإيمانها بمنظومة مجلس التعاون ودورها في تعزيز وحدة دول المجلس للوقوف أمام الأطماع والتحديات المحيطة بها في المنطقة، وبناء تحالفات استراتيجية وعلاقات متينة مع الدول الصديقة صاحبة المصالح في المنطقة، بالإضافة إلى توطيد علاقاتها مع الدول الشقيقة والصديقة وتعزيز التعاون مع دول الإقليم والمنظمات الإقليمية والدولية بما يثبت الأمن والسلم الدوليين في منطقة الخليج العربي، وتبني العمل الجماعي في الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية وترسيخ القيم والمبادئ الإنسانية كالسلام والتعايش والحوار بين مختلف الثقافات والشعوب، والتصدي للتحديات التي تواجه المجتمع الدولي بأسره، ومن أخطرها العنف والتطرف والإرهاب بكل صوره وأشكاله، وسياسات بعض الدول التي تسعى لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.

بيني وبين خالد بن أحمد العديد من الذكريات في إطار عملنا الدبلوماسي والسياسي الذي امتد لسنوات طويلة، اتفقنا واختلفنا إلا أننا لم نختلف أبدًا على البحرين وتحقيق مصالحها.. لم نختلف أبدًا على تأكيد حقوقها وتأمين حدودها التي كان آخرها اجتماعات «النقطة الثلاثية» للحدود البحرية مع ايران، عندما استطاع فريق العمل البحريني بكل اقتدار والذي تشرفت بقيادته من قلب العاصمة طهران في ربيع عام 2010 من تحقيق مكاسب يسجلها التاريخ لحدود البحرين البحرية مع ايران، والتي اعتبر التوقيع عليها من أهم إنجازات خالد بن أحمد في الخمسة عشر عامًا بالخارجية وإدارته لدفة العمل السياسي والدبلوماسي والأسس الجديدة والثابتة التي وضعها، التي ستبقى تتحدث عن السياسة الخارجية البحرينية بثوابتها الراسخة ومعالمها الواضحة ودورها النشط وجهودها الفاعلة، ومهامها المتواصلة في تعزيز علاقات مملكة البحرين وتعاونها مع الأشقاء وتقوية علاقاتها مع الحلفاء والإسهام في وضع حلول للعديد من الأزمات، ارتكازًا على قيم ومبادئ لم ولن نتخلى عنها من الاحترام المتبادل والحوار والتعايش البناء والانفتاح المثمر على كافة دول العالم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها