النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11280 الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 2 رجب 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

مات قاسم سليماني... شيِّعوا الخمينية

رابط مختصر
العدد 11243 الإثنين 20 يناير 2020 الموافق 25 جمادى الأولى 1441

قُتل قاسم سليماني... ثلاث كلمات أنجزت، من الأيام الأولى للعشرية الثانية للقرن، تعريف العقد المقبل في الشرق الأوسط. من الصعب تخيل حدث يتجاوز في نتائجه، الأثر الذي سيتركه غياب قاسم سليماني عن المسرح، بل عن المسارح الكثيرة في الشرق الأوسط.

تجاوز الرجل كونه كناية عن الطموح الإيراني الإمبراطوري. لم يعد صورة المشروع وحسب. لا يتعلق الأمر بمنصب أو بصلاحيات أو بالمكانة التي يحتلها الاسم ضمن هرمية السلطة في إيران.

لم يكن الرجل قائدًا لمهمة وحسب. كان هو المهمة نفسها... قاسم سليماني هو المشروع نفسه، الذي يلتحم عنده الإمبراطوري من المشروع بالديني والعقائدي. هو المشروع، وهو الخمينية في حالتها القصوى، وما أُردي في بغداد هو المشروع نفسه، داخل إيران قبل أن يكون خارجها.

دقيقًا كان الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في استعراض «الأطلس السليماني»، من فلسطين إلى أفغانستان وما بينهما لبنان والعراق وسوريا واليمن... نزق نصر الله أوقعه في فخ الاعتراف بالدور الإيراني المباشر عبر قاسم سليماني في اليمن، وهو ما تثبته كل التقارير الدولية المحترمة وتنفيه كل التصريحات الإيرانية الرسمية...

سيكون لهذا الاعتراف بالدور السليماني معنى خاص في لحظة اغتيال الدور نفسه، الذي قام على نظرية عبقرية لقاسم سليماني، وهي الدمج بين الميليشيات ومؤسسات الدولة في كل دولة من الدول التي طالها الخراب الإيراني، والتي نموذجها التوأمة القاتلة بين «حزب الله» ومؤسسات الدولة اللبنانية أو «الحشد الشعبي» والدولة العراقية.

بين الدول جميعها الفاعلة على خرائط الشرق الأوسط، لإيران ميزة تفاضلية عن غيرها. فهي الدولة الوحيدة الموجودة على كل الجبهات من دون أن تكون موجودة بجيوشها مباشرةً، كتركيا أو روسيا أو الأوروبيين أو أمريكا أو السعودية أو الإمارات أو غيرها!

أكثر من ستين ميليشيا عراقية مموّلة ومدرّبة وموالية لإيران تتجمع تحت مظلة «الحشد الشعبي» وحدها في العراق، والتي تم تشريعها وضمها إلى أجهزة الدولة مع احتفاظها باستقلالية عملانية واسعة. في المقابل يتوزع مئات آلاف المقاتلين الأجانب في سوريا على عشرات الميليشيات الشيعية المماثلة.

لم يكن ذلك ممكنًا لولا عبقرية قاسم سليماني وحياكته المحترفة لسجادة الميليشيات المزركشة هذه، كالسجاد البهي الآتي من كرمان، مسقط رأسه. ما قتله دونالد ترمب بقراره هو هذه المدرسة بالذات. هذا الغموض الذي أتاح لإيران أن تكون على كل الجبهات وألا تكون عليها في الوقت نفسه. استهدف ترمب هذا الالتباس في المشروع الإيراني الذي أتاح لطهران هامشًا كبيرًا للإنكار. لم يردّ على كتائب «حزب الله» التي حرّضت على المظاهرات أمام السفارة الإيرانية. لم يستهدف «الحشد الشعبي» الذي قاد قادتُه المظاهرات علنًا وفي وضح النهار. صدّق التوقيع على جدار سفارته في بغداد: «قائدي قاسم سليماني». وذهب خلف الرجل وقتله.

مقتل سليماني هو إسقاط لهذا الحصن الذي تحصّن به الإيرانيون، وبه حصّنوا مشروعهم التوسعي والتخريبي في المنطقة. فلم تعصم الصفة الرسمية الدولتية، قاسم سليماني من المطاردة والقتل، مثله مثل بن لادن أو البغدادي أو أبو مصعب الزرقاوي. وهذا إسقاط استراتيجي لواحدة من قواعد التعامل مع الإرهاب. جزء رئيسي من «اطمئنان» سليماني، هو هذا الغموض بالذات وهذه الصفة الدولتية بالتحديد، وهنا الجديد في قرار تصفيته من قِبل الأميركيين.

قُتل سليماني في نهاية رحلة أتت به من بيروت، حيث التقى نصر الله قائد ميليشيا «حزب الله»، ثم دمشق حيث التقى مَن التقى، ثم بغداد حيث كان في استقباله أبو مهدي المهندس، نائب رئيس ميليشيا «الحشد الشعبي»، والرئيس الفعلي لها.

ماذا يفعل جنرال إيراني بصحبة قائد ميليشيا في دولة أخرى على أرض ليست إيرانية آتيًا من اجتماعات مع قادة ميليشيات في دولتين أخريين على الأقل؟

في هذا السياق تتخذ التصفية معناها التجديدي في مسار الحرب على الإرهاب، ويعلن عن دخولنا مرحلة جديدة تمامًا.

قتلت إيران رفيق الحريري عبر عصاباتها، كما تنبئنا القرارات الاتهامية للمحكمة الخاصة بلبنان، ولم تعترف باغتياله. في المقابل قتل ترمب رئيس الجهاز الراعي (بالحد الأدنى) لقتلة رفيق الحريري، وعقد مؤتمرًا صحافيًا تبنى فيه الاغتيال، كما يوم البغدادي أو بن لادن أو الزرقاوي أو اعتقال صدام حسين.

كيف يستوي أن تغتال دولة مسؤولاً في دولة أخرى بهذا اليسر والسهولة ومن دون الخشية من تبعات القانون الدولي أو انعكاس ذلك على العلاقات الدولية؟ القول لأنها أمريكا لا يكفي. المسألة أعمق وأجد.

كان هنري كيسنجر يقول إن إيران ثورة وعليها أن تصير دولة. عدل ترمب هذا التوصيف بقرار قتل سليماني. ونقله عبر التنفيذ الواضح والمعلن من دائرة الأكاديمية إلى دائرة السياسة والسياسات. ترمب يقول إن إيران ليست دولة فقط. هي دولة وعصابة في آن. دولة عصابة إذا صح التعبير... أو عصابة بإمكانات دولة ومواصفات دولة وشرعيات دولة، وإنه بهذه الصفة سيتعامل معها من الآن. المفارقة أن العالم لم يعترض كثيرًا. وإنْ اعترض فمن باب رفع العتب.

قاسم سليماني هو الوجه الأخير للمشروع التوسعي الإيراني. واغتياله سيُدرس بوصفه أكثر القرارات عبقرية في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية.

لقد رفع الرئيس الأمريكي سقف التحدي في وجه إيران إلى مكان ليس بوسع نظام الملالي ملاقاته عنده. فضح سر ضعفهم. لا عقلانيته المفترضة، عقلنة وستعقلن السياسات الإيرانية أكثر، وهو ما تفصح عنه الردود التي صدرت حتى الآن وآخرها الخطاب الهزيل لنصر الله والذي لا يليق بمن تلقى الكلمات باسمه.

هو كأس سم جديد على إيران أن تتجرعه كما فعل الخميني عام 1988... وستفعل!

 

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا