النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11323 الأربعاء 8 ابريل 2020 الموافق 14 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:01AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    5:58PM
  • العشاء
    7:28PM

كتاب الايام

في حوارات الإسفاف...

رابط مختصر
العدد 11240 الجمعة 17 يناير 2020 الموافق 21 جمادى الأولى 1441

 بداية عليّ أن أقرّ في المستهل بحقيقة لا أنكرها ولا يمكن لأي مراقب محايد نكرانها، وهي أن كثيرًا من الإعلاميين العرب من مقدمي البرامج الحوارية الناجحة في التلفزيونات العربية، وكذلك التلفزيونات الأجنبية الناطقة بالعربية، على درجة عالية من المهنية والاحترافية في إدارة هذه البرامج وتقديمها بالشكل الذي نستطيع أن نقول، ومن دون أدنى مجاملة، بأن الهدف من إعداد هذه البرامج وتقديمها هو تنوير الرأي العام وخلق وعي سياسي من مستوى عالٍ في استطاعته فهم ما تمور به الساحة العربية من أحداث.

 بهذه المقدمة أنا هنا أخص على وجه التحديد البرامج الحوارية السياسية باعتبارها البرامج التي دائما ما تتميز بسخونة الحوار وحدّة النقاش. ولعلي هنا أعزو سخونة الحوارات وارتفاع حدة النقاشات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى هذيان يمس الأشخاص ولا يتطرق إلى موضوع النقاش، التي لا نشاهد نظيرا لها على الشاشات الأجنبية إلا فيما ندر، هو تعدد الأفكار والآراء وحشر العقيدة والإيديولوجيا في مثل هذه الحوارات. نعم تعدد الأفكار واختلاف الآراء يُعد أمرا صحيا ولكن نحتاج إلى كفاءات ديمقراطية تستطيع أن تُعبر عن رأيها بعيدا عن التشاحن والتخاصم. وفي هذا الإطار أسمح لنفسي أن أشير إلى برنامج «حدث اليوم» الذي كانت تقدمه المرحومة نجوى قاسم مثالا على تلك البرامج الحوارية الناجحة التي استطاعت أن تُجمع فيها الراحلة محاورين على قدر كبير من المسؤولية.

 بطبيعة الحال المثال الذي أوردته لا يعني الحصر، فهناك بالتأكيد صحفيون مهنيون محترمون يقدرون دورهم الإعلامي ويؤثثون برامجهم الحوارية بمادة إعلامية تحترم المشاهد العربي وتقدم له المفيد، وهذا الوصف بطبيعة الحال يستثني بقوة المنطق البرامج الحوارية التي تبثها قناة الدجل السياسي والفبركة، وخاصة منها ذاك البرنامج التافه الذي يقدمه فيصل القاسم، الذي أثرى ماديا كما نقول بالبحريني «على خالي بلاش». فهذا «البرنامج»، وأضعه بين ظفرين لإيماني بأنه أبعد ما يكون عن مقتضيات الخطاب الإعلامي، ما إن يبدأ حتى يتحول الاستوديو إلى حلبة مصارعة يتشابك فيها المتحاوران اللذين هما في الغالب الأعم من فصيلة الكائنات المتنمرة التي ينتمي إليها فيصل القاسم! وأكاد أجزم بأن أغلب المشاجرات التي اندلعت في حظيرة فيصل القاسم مشاهد تمثيلية محبوكة تفاصيلها طلبا للإثارة وصمة إعلامية يرى فيها صاحب «البرنامج» كسبًا إعلاميًا عظيما! 

 لكن، مع ذلك، يبقى السؤال قائما: ما السبب في ظهور برامج على هذا النحو من الإسفاف والهبوط في الطرح الذي ينال من كل شيء إلا الموضوع الذي من أجله أعد البرنامج الحواري؟ في اعتقادي أن هناك جملة من الأسباب تقود إلى مثل هذا الفشل لهذا أو ذاك من البرامج الحوارية، ولعل من أهمها: ضعف التأسيس الديمقراطي للمتحاورين بسبب العقيدة أو الإيديولوجيا وافتقار المتحاورين إلى أدب الحوار والفهم الخاطئ لرسالة الإعلام والخلط بينها وبين الحزبية وبعض المنابر الدينية. فإذا ما تجمعت هذه الأسباب مع وجود مقدم لبرنامج حواري يسهل على المتحاورين حرفه أو أن يقوم هو بحرفهم بطريقته المستفزة كما يفعل فيصل القاسم عندما يمسك بمفردة ما في الحوار، وتراه يحرض المتحاورين بعضهم على بعض، وهذا، في ظني، سبب آخر لمنشأ شهرة كثير من الإعلاميين الذين يقدمون البرامج الحوارية في كثير من قنوات التلفزة، وخصوصا العربية. ونتذكر من مفردات وجمل فيصل القاسم التحريضية والاستفزازية لازمة صراع الديكة القبيحة التي يحرص دائما على ترديدها لخلق أجواء من الشحن: «استمعت إلى ما قاله (فلان) فكيف تَرد عليه».

 السبب الذي دعاني إلى جعل البرامج الحوارية موضوعا لهذا المقال هو متابعتي اليومية لمثل هذه البرامج على شاشات التلفزة العراقية، وتحديدا تلك التي تتناول الأحداث العراقية التي لا تنتهي منذ أعوام خلت، وزادت وتيرة حدوثها منذ عام 2003. الحقيقة أن هذه البرامج تثير الاشمئزاز في أغلبها، وخصوصا تلك البرامج الحوارية أو برامج اللقاءات التي يكون ضيوفها ممن يناصرون إيران أو «الحشد الشعبي» رغم ما لإيران و»الحشد من مواقف واضحة فاضحة فيما يتعلق بانتماء العراق العربي، وإصرارهم على ربط العراق العربي الهوية بإيران ربطا تعسفيا انطلاقا من المذهب الديني، فهذه البرامج لا عنوان لها إلا المزايدات السياسوية والهذر المشحون والهذيان المنفلت من عقال العقل والمنطق. وبهذا المعنى نجد هذه البرامج نسخة طبق الأصل مما رسخته قناة العار من تقاليد إعلامية هابطة ورخيصة نتبين ملامحها خاصة في تلك البرامج الحوارية المخصصة لخدمة أجندات الإخوان المسلمين خاصة وتيارات الإسلام السياسي عموما، ولتتناول الأزمة القطرية مع الدول الأربع التي تقاطعها، ففي هذين الموضوعين وخاصة منهما الثاني يتصاعد صراخ أو نباح قنوات البث الإخباري القطرية وبعض القنوات البث الأجنبية الناطقة بالعربية والممولة قطريا أو الخادمة لأجندات إيرانية ما عادت تخفى على أحد.

 الإعلام الهادف الرصين عقيدة إعلامية وممارسة مهنية احترافية لا تنمو في عقل لا يؤمن بالحوار والحوارية ولا يتبنى مشروع دولة القانون والمؤسسات ولا يعمل على إرساء دعائم فكرة المواطنة وتفعيلها في الواقع المعيش، ولذلك ينجح كل برنامج حواري يتبنى معدوه هذه العقيدة الإعلامية، وينقلب كل برنامج حواري إلى مسخ وتهريج عندما تكون الجهة الإعلامية مسكونة بالحقد والتنوير آخر مقاصدها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها