النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11275 الجمعة 21 فبراير 2020 الموافق 27 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:34PM
  • العشاء
    7:04PM

كتاب الايام

العدل أساس السعادة...

رابط مختصر
العدد 11238 الأربعاء 15 يناير 2020 الموافق 19 جمادى الأولى 1441

السعادة والسعادة، فالسعادة ومن ثم السعادة، هكذا أصبحت كلمة «السعادة» بالمنظور السائد اليوم هوسا مظهريا مكررا مع تعاقب عقارب الساعة وتوالي الساعات والأيام إلى ما شاءت الأهواء وطرب لها الهوس، كلمة تلوكها الألسن وتعصرها العقول وتتغنى بها النفوس، وأخرجت من سياقها الجدلي الذي يلزم الذات بالوسط الحياتي وبالتفاعل الإنساني بينهما، حتى أضحت الكلمة مجردة من جوهرها الإنساني العظيم، حتى أنها تدنت إلى الدرك الأسفل أشبه بالدعايات التجارية المبتذلة، مثل الترويج لتخسيس الوزن وعمليات التجميل على نمط الوجبات السريعة (fast food). لقد تهوس (هوس) جمع كبير على مستوى العالم الثالث والخامس بهذه الكلمة السحرية الساحرة حتى أضحت آلهة، بالمعنى الإغريقي، تجاور أفروديت آلهة الحب والجمال وديونيسيوس آلهة الخمر والمتعة مع بقية الآلهة في جبل أوليمپوس حيث تعيش جميع الآلهة، وتشرف من هذا الجبل المقدس على حياة البشر وتدبر شئونهم حسب إراداتها الإلهية. إن المجمع المقدس لآلهة الإغريق تحوي صنوفا من الآلهة ليس بينها إلهة للسعادة، فيا لشؤم الإغريق، فقد فكروا في كل الأمور التي تعنيهم وتؤثر في حياتهم وجعلوا لها آلهة إلا السعادة، لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا ونصبوا لها آلهة أو إله، لكن يبدوا أن شوقهم وغرامهم للحب والجمال في معبد الإله أفروديت وتلذذهم وهوسهم بالخمر في معبد الإله ديونيسيوس قد جعلتهم في نشوة تغيب وعيهم عن السعادة التي كانوا يتوهمونها، فكان وعيهم مسحورا مغيبا عن السعادة الحقيقية بينما هم يمرحون بين الحب والخمر والجمال، فهل هذه هي السعادة المرجوة، سعادة تترنح أو تتراقص بين آلهتين، آلهة الحب وآلهة الخمر، وما ينتج عنهما وبينهما من متعة تتخدر معها الحواس في جذور الغرائز، ويصبح الوعي ضحية اللاوعي... ولكن هل هذه السعادة؟ 

لا شك أن السعادة مبتغى كل إنسان، فردا وجمعا، مجتمعا ودولة، إلا أن للسعادة عناصرها الذاتية والموضوعية، والذات والموضوع يدخلان في كيميائية مقعدة ومتشعبة... 

ولكن اليوم نشهد الكثير من المحاضرات والدروس والنصائح، لها أبطالها وأساتذتها!!! في ساحة السعادة، وجلها تربط السعادة بعنصر المال، وأغلب هؤلاء الأبطال يستميتون ويتفننون ويتباهون بفكرهم العبقري أن ليس للمال علاقة بالسعادة، وكيف أن السعادة ترفرف على كوخ فقير، بينما الكآبة تغيم على قصر ثري. هذا هو جوهر بطولاتهم عندما يحذقون ألسنتهم لتتلاعب بالمفاهيم ولتنمق كلمات مختارة لإرسال رسالة يتيمة إلى ذوي العازة من الفقراء والمساكين، مفادها أنكم يا أهل الفقر والمسكنة لا تيأسوا من رحمة السعادة، ولا ترهقوا أنفسكم بالتفكير في فقركم وعجز حيلتكم، ولا تلوموا أحدا على بؤسكم، ولا تجاهدوا من أجل كسر طوق الفقر عن حقكم وكرامتكم، فكل هذه الجهود -من فكر وعمل وجهاد- لا تفيدكم في شيء سوى زيادة بؤسكم، لأن أرزاقكم ليست ملك إرادتكم ولا طوع أهوائكم، ولأن السعادة، التي تحسدون غيركم عليها، هي مولودة في محور نفوسكم منذ يوم مولدكم، فأنتم الذين جلبتم البؤس لأنفسكم، ولا تعززوا البؤس فيكم بترداد كلمات الأغنية التي تقول: «عدت يا يوم مولدي، عدت يا أيها الشقي...». إن بؤس بؤسكم يا سادة هو أنكم غافلون عن نعمة السعادة المكنونة في نفوسكم، وعليكم، بل من واجبكم، أن تنبشوا في نفوسكم عن موطن السعادة التي فيها. كلمات منمقة مختارة بدقة، لا علاقة لها بالواقع الموضوعي بأية صلة، وهي ساذجة سمجة، ولا تنتمي للفكر الجاد، لا من قريب ولا من بعيد، وما هي إلا نفحات من أنفاس نفس، لا من جهد فكر، إنها تنبع من إحدى الرذيلتين، أو كلاهما، إما الجهل أو الخبث، والخبث ألعن من الجهل... 

السعادة ونقيضها البؤس، هما الجنة والنار للإنسان في الحياة الدنيا، والإنسان على الأرض، وهو سيدها، يسعى إلى استحصال السعادة بالجهد الفردي والاجتماعي معا، وتجنب البؤس بالجهد التعاوني المشترك. 

ولكن المجتمعات الإنسانية لم تستطع أن تحقق السعادة للإنسانية جمعاء مما دفع بالمفكرين والفلاسفة البحث في الموضوع، واشهر الفلاسفة القدامى الذين بحثوا في موضوع السعادة هم الإغريق، وعلى رأسهم الفيلسوف الكبير سقراط الذي ربط السعادة بالفضيلة، وكذلك أفلاطون وأرسطو ربطوا السعادة بالقيم الأخلاقية، وقد تصدى سقراط للفلاسفة السفسطائيين الذين كانوا يختزلون السعادة في إرضاء الغرائز بأنواع المتع الجسدية (الحسية)، أما الفلاسفة المعاصرون، ومنهم الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر فقد ألزم الإنسان بالحرية، وأنه لا كرامة للإنسان في غياب الحرية وحرمان الإنسان من حقه في الحرية. وإذا نظرنا إلى جملة ما جادت به عقول معظم الفلاسفة والمفكرين فإنهم ربطوا بين القيم العالية، من فضيلة وأخلاق وكرامة، بالسعادة التي تتخطى محدودية الجسد وحواسه وغرائزه، وهذه القيم العالية هي التي تحترم وتقر الإنسانية في الإنسان ومن الإنسان، الإنسان في مجتمعيته وليس في طبقيته أو في فرديته، وهذا يعني «العدل». إذا توافر العدل، بفضل القيم الإنسانية الرفيعة، فإن الفرد كفيل بإسعاد نفسه والالتزام بعدم المساس بحرية الآخرين والالتزام بصون كرامة المجتمع الذي يعيش فيه... الحديث هنا عن السعادة الدائمة والمستدامة، السعادة التي هي بمثابة الدم الذي يجري في شرايين المجتمع كله دون تمييز ولا تفريط، وليس آنية المتعة واللذة والفرحة... فالسعادة هي الحرية وهي الأمن والأمان وهي أرقى من كل الآنيات الحسية والغريزية، والعدل هو روح السعادة الأصيلة الحقة.

إن الذين يتكلمون عن السعادة بمعنى تلبية أهواء الغرائز يهابون الخوض في العدل والعدالة، فمن الناس من يرى في العدالة انتقاصا من ممتلكاته وسطوته ومكانته، وبالنتيجة من سعادته، إنها سعادة واهمة واهية، مبنية على شقاء الآخرين، وهذا الصنف من السعيد لا يهنئ في الحياة لأنه دائم القلق على ملذاته الآنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا