النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

حكومة الرئيس

رابط مختصر
العدد 11237 الثلاثاء 14 يناير 2020 الموافق 18 جمادى الأولى 1441

فصل آخر من فصول الحياة الديمقراطية الوليدة في تونس ذلك الذي تابعه العالم كامل يوم الجمعة العاشر من يناير 2020.. فصل آخر من فصول الدستور التونسي الجديد، دستور 2014 يظهر للعلن ويطفو على سطح المياه الهادرة في الانتقال الديمقراطي في تونس ونعني الفصل 89 الذي يمنح الحق لرئيس الجمهورية في نظام برلماني أن يقترح الشخصية «الأقدر» لتشكيل حكومة وعرضها من جديد على مجلس نواب الشعب لنيل الثقة. فصل آخر من فصول الهدر أو البناء.. ربّما لم تعد الصورة واضحة لدى فئات عديدة من الشعب التونسي.. لكن قد يبقى للأمل مكان مع حكومة الرئيس.

 على امتداد أكثر من عشر ساعات، وفي نهاية جلسة عامة حامية الوطيس للبرلمان التونسي، صوت 134 نائبًا لصالح عدم منح الثقة لحكومة السيد الحبيب الجملي رئيس الحكومة المكلّف من طرف حركة النهضة الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية، مقابل موافقة 72 نائبًا، وتحفّظ ثلاثة نواب عن التصويت، وهو ما يعني رفض الحكومة المقترحة. وقد أعلنت النهضة تقبلها بكل ديمقراطية لقرار حجب الثقة عن حكومة رئيسها المكلّف، ودعت إلى تشكيل «حكومة وحدة وطنية توافقية على أرضية اجتماعية في مسار الثورة».

 هذا يقود المسار السياسي في تونس إلى إعمال الفصل 89 من دستور البلاد، خاصّة وأنّ الرئيس التونسي قيس سعيد طالما أكد تمسّكه الثّابت بما ورد من أحكام في الدستور الذي ينصّ حرفيا في فصله التاسع والثمانين أنّه: «عند تجاوز الأجل المحدّد دون تكوين الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصيّة الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر».

 وبالعودة إلى مسار المشاورات الطويل قبل 10 يناير، فقد دعا إلى «حكومة الرئيس» بعض الأحزاب والتيارات السياسية في تونس منذ تشكّل البرلمان الجديد لما لمسوه في الرئيس قيس سعيد من قدرة على تجميع التونسيين بما حظي به من تصويت غير مسبوق في انتخابات مستقلة ونزيهة، وكذلك بسبب ما لاحظوه من تنافر شديد في مجلس نواب الشعب المنتخب في أكتوبر 2019، مما قد لا يمكّن أيّ حكومة مشكّلة من الحزب الفائز من نيل ثقة البرلمان أو من الحصول على حزام برلماني يسندها في تنفيذ برامجها إن هي نالت الثقة.

وللتوضيح فإنّ مصطلح حكومة الرئيس قد يفهم خطأ من الناحية الدستوريّة، فحكومة الرئيس لا تكون إلا في ظلّ نظام رئاسي وتقوم أساساً على تولّي رئيس الجمهورية اختيار رئيس الحكومة وأعضائها أيضا دون المرور بمجلس نواب الشعب. أمّا في ظل نظام البلاد الرّاهن فإن رئيس الجمهورية سيختار رئيس الحكومة فقط، والذي بدوره سيشكّل أعضاء حكومته لتُطرَحَ من جديد على مجلس نواب الشعب لنيل الثقة. لكن ما الذي تكشّفت عنه الحياة السياسية في تونس خلال الأشهر الأخيرة، وخاصة بعد العاشر من يناير 2020؟.

لعلّ أبرز عنوان لهذه المرحلة هو غياب التوافق بين أطياف الطبقة السياسية. التوافق الذي طالما ميّز حالة الاختلاف في تونس حيث تنتهي بفضل حكمة البعض وتنازل البعض الآخر إلى اتّفاق كالّذي حصل بين زعيم حركة النهضة والمرحوم الرئيس الباجي قايد السبسي للخروج من عنق الزجاجة في أزمة 2014.

كما بان بالكاشف بعد هذه الأشهر من المداولات تصدّع الجدار الحديدي لحركة النهضة حيث انشقّ عنها بعض أعضائها، ودبّ الخلاف بين البعض الآخر، ولم تعد تلك الحركة المعروفة بوحدة صفّها. وهذا ليس عيبًا، بل ربّما حالة صحية تدلّ على تحوّلها حقيقة من حزب عقائدي إلى حزب مدني يؤمن بالاختلاف حتى فيما بين أعضائها، وهو ما يؤكّد أنّ حركة النهضة التونسية أمام امتحان سياسي صعب قد لا تخرج منه سالمة.

أمّا على المستوى الاجتماعي والشعبي فإنّ فشل الحكومة المقترحة في الفوز بثقة البرلمان أثار حالة من القلق والترقّب في الشارع التونسي، وفتح الباب على مصراعيه لسيناريوهات جديدة للخروج من الحالة المستعصية التي تعصف بالحياة السياسية في تونس لما لها من أثر بالغ في الحسم في ملفات حارقة مطروحة أمام الحكومة الجديدة، فحالة السخط في صفوف العاطلين والمناطق الداخلية الفقيرة لا تفتأ تتمدّد، ومعدلات البطالة والتضخم في ارتفاع، ومستوى الخدمات العامة في تراجع. كما أنّ الوضع الأمني على الحدود مع الجارة ليبيا لا يبشّر بخير.

ولقد أتاح فشل الحكومة المقترحة، لبعض الأطراف السياسية المحسوبة على نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، فرصة التشكيك في جدوى النظام البرلماني لما فيه من هدر زمني وماليّ، ودعوة إلى العودة إلى النظام الرئاسيّ وهو ما حذّر من مغبّته الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي مخافة الانحراف من جديد بالحكم إلى الديكتاتورية.

 إنّ تونس، وهي على مشارف الاحتفال بالذكرى التاسعة لثورة الياسمين، لَتبدو على صفيح ساخن، يترقّب الجميع الشخصية الأقدر التي سيكلفها رئيس الجمهورية لتشكيل حكومة قد تنال ثقة البرلمان وقد تسقط كسابقتها وهو ما يؤدي إلى حل البرلمان وإعادة الانتخابات التشريعية من جديد. فإلى أيّ مدى سيتّسع صبر التونسيين إلى هذا المخاض العسير؟.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا