النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

خلاف العسكر والقضاة في باكستان حول «مشرف»

رابط مختصر
العدد 11237 الثلاثاء 14 يناير 2020 الموافق 18 جمادى الأولى 1441

  • الودّ مفقود أصلاً بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية في باكستان

 

 

للمرة الأولى يحكم القضاء الباكستاني على زعيم عسكري سابق بالموت شنقا بتهمة الخيانة العظمى. في بلد ظل يرزح تحت حكم الجنرالات نصف تاريخه تقريبًا منذ انفصاله عن الهند البريطانية. المعني بالحكم هو الجنرال المتقاعد برويز مشرف الذي وصل إلى السلطة في إسلام آباد عام 1999 على إثر نجاح انقلابه على الحكومة المدنية المنتخبة بقيادة رئيس الوزراء السابق نواز شريف، وظل ممسكا بمقاليد الحكم مذاك وحتى تاريخ استقالته في عام 2008، وخروجه إلى المنفى الاختياري تحت ضغوط داخلية وخارجية مُورست عليه. 

خلال سنوات حكمه ارتكب الرجل أخطاء كثيرة، كما يردد عموم الباكستانيين البسطاء الذين يعتقدون أنه أخَّر تقدم البلاد وأرجعها إلى الخلف، وأن التخلص منه بالإعدام سيكون درسا لكل عسكري يفكر مستقبلا إيقاف عجلة الديمقراطية، لكن أخطاء مشرف ــ من وجهة نظري الشخصية كمتابع مستقل ــ لم تكن أكثر فداحة من تلك التي اقترفها من سبقوه من جنرالات حكموا البلاد، ولاسيما الجنرال ضياء الحق الذي حكم ما بين عامي 1977 و1988 فشهدت حقبته إصراره على شنق أحد أهم ساسة البلاد المدنيين في التاريخ المعاصر (ذوالفقار علي بوتو)، وترسيخه ثقافة الكلاشينكوف في المجتمع الباكستاني من خلال احتضانه للمجاهدين الأفغان وإيوائهم ودعمهم ضد السوفييت، ناهيك عن إصداره قرارات أسلمة مظاهر الحياة التي أوجدت مناخا وتربة صالحة لنمو خطاب التطرف والتشدد.

وإذا ما أكدنا أمرًا مؤكدًا، يعرفه القاصي والداني ولا يحتاج إلى أدلة وبراهين، وهو أن جنرالات المؤسسة العسكرية لهم الكلمة الفصل في أحوال البلاد حتى في الحالات التي تكون فيها باكستان مدارة من قبل حكومات مدنية منتخبة، فإنه من الطبيعي والحالة هذه ألا تستسيغ المؤسسة العسكرية النافذة صدور حكم بإعدام أحد جنرالاتها الكبار، فما بالك لو كان هذا الجنرال هو برويز مشرف الذي خدم الجيش لمدة 40 عامًا أبلى خلالها بلاء حسنا في كل الحروب الباكستانية ــ الهندية، وحكم البلاد باسم المؤسسة العسكرية لنحو عقد من الزمن، خاض فيه أيضا الحروب من أجل الوطن (حرب مرتفعات الكارغيل مع الهند)، وتحمل في الوقت نفسه تبعات الضغوط التي مورست على إسلام آباد من قبل الحليف الأمريكي غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية.

 

 

من هنا يمكن فهم ردود أفعال الجيش الباكستاني، ومعها ردود أفعال الحكومة المدنية بزعامة عمران خان (الذي كان من أشد منتقدي مشرف زمن حكمه لباكستان) حيال الحكم الذي أصدرته إحدى المحاكم الباكستانية الخاصة غيابيًا بإعدام مشرف كعقوبة له على جرائم شملت خيانة الوطن وتعليق العمل بمواد الدستور وإعلان حالة الطوارئ، خصوصًا وأن الحكم تضمن نصًا يقول بأنه في حال موت مشرف طبيعيا قبل إعدامه فإن على السلطات أن تستعيد جثته وتعلقه لمدة ثلاثة أيام في العاصمة إسلام آباد. وقد تراوحت ردود الأفعال هذه بين الرفض والتنديد والتشكيك في صحة إجراءاته والتعجل في إصداره. ولعل أقواها بيان من الناطق الرسمي باسم الجيش الجنرال آصف غفور جاء فيه أن الحكم الصادر ضد مشرف «تسبب في الألم والحزن لمختلف منسوبي القوات المسلحة، واعتقادنا هو أن الإجراءات القانونية السليمة والواجب إتخاذها قد تم تجاهلها».

وبطبيعة الحال، ليس من المتوقع أن يطبق الحكم لأن المعني به يعيش خارج البلاد، ولا ينتظر أن يعود من تلقاء نفسه ليسلم رقبته إلى حبل المشنقة. إذ يكفيه ما عاناه حينما قرر أن ينهي وجوده في منفاه الاختياري عام 2010 ويعود إلى وطنه للمشاركة في الانتخابات العامة لسنة 2013 على رأس حزب سياسي شكله تحت اسم حزب «رابطة عموم مسلمي باكستان». فبدلاً من أن تسمح له السلطات بالمشاركة وممارسة حقوقه السياسية كأي مواطن باكستاني آخر، أقتيد من مطار كراتشي إلى الإقامة الجبرية التي لم يخرج منها إلا عام 2016 عندما استجيب لطلبه بمغادرة البلاد للاستشفاء في الخارج. وقد تخللت فترة إقامته الإجبارية صدور أحكام ضده بمنعه من الترشح لأي انتخابات قادمة، واتهامه بالتورط في اغتيال رئيسة الحكومة الأسبق بي نظير بوتو.

والحال أن الود المفقود أصلاً بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية في باكستان، منذ رفض الثانية لاقتراح من الأولى بتمديد خدمة رئيس أركان الجيوش الباكستانية الجنرال قمر جاويد باجوا إلا في حالة موافقة البرلمان، يزداد اتساعًا، وكأنما التاريخ يعيد نفسه. ففي أيام حكم مشرف اصطدم العسكر بالقضاء أيضا، وذلك حينما أعفى مشرف كبير القضاة «افتخار محمد تشودري» في عام 2008 من منصبه فما كان من المؤسسة القضائية إلا وأن نفذت حملة احتجاجات واسعة تصدرها المحامون والقضاة للإطاحة بالجنرال وإخراجه من السلطة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا