النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11563 الجمعة 4 ديسمبر 2020 الموافق 19 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

ظواهر لا تسر الخاطر

رابط مختصر
العدد 11234 السبت 11 يناير 2020 الموافق 15 جمادى الأولى 1441

لاتصالي الدائم بعالم الكتاب والكتابة والتأليف والنشر فترة ليست قليلة، تعرفت على حقائق هذا العالم في بلادنا وفي الوطن العربي، وهي حقائق لا تسر الخاطر، رغم ذلك فالزملاء الذين واصلوا الكتابة والتأليف عدة عقود، عانوا الكثير من المرارة، لكنهم لم يتوقفوا عن الكتابة والتأليف والنشر، فشغفهم بالكتابة والنشر والاتصال بالقارئ، كان أكبر من أي عارض أو جدار عازل أو عقبات مادية ومعنوية. 

 وبخصوص تجربتنا المحلية؛ فالكُتّاب البحرينيون من شعراء وروائيين ونقّاد، ظلوا يكتبون منذ ستينات القرن الماضي حتى الآن دون كلل، تدفعهم قوة داخلية للاستمرار في هذه المهنة غير الرائجة. ومن المؤسف أن ترمومتر القراءة يبين أن نسبة قُراء الكِتاب في البحرين كانت في الستينات والسبعينات أكبر من نسبتهم الآن بحساب النسبة السكانية. 

وهذه الفكرة بنيتها من خلال تجربتي الشخصية وتجربة زملائي الكُتاب، وليس هذا الأمر مقتصرا على البحرين فحسب، فأحوال القراءة في الوطن العربي صادمة. وحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن اليونسكو، يقرأ المواطن العربي أقل من كتاب في السنة، بينما يقرأ المواطن الأوروبي 35 كتابا في السنة، وحسب تقرير التنمية الثقافية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي للعام 2011 يقرأ العربي ست دقائق في السنة، ويقرأ الأوروبي مائتي ساعة في السنة. 

وعندما كنت أسأل أصحاب المكتبات التجارية المحلية في البحرين، عن درجة الإقبال على الكتاب؛ فهم الأقرب إلى الكتاب وتسويقه، كانت الإجابة واحدة؛ سوق الكتاب هابط وبطيء. وهذا ما يجعلنا لا نتفاءل بالمستقبل، فالإقبال على القراءة هو مفتاح التقدم للمجتمعات، ونحن لا نقرأ بدرجة كافية، فما هي هذه الدرجة الكافية؟ في فهمي، هي تلك النسبة التي تقترب (ولا أقول تتشابه) مع مؤشرات القراءة في الدول المتقدمة. 

صادم ومؤلم هذا الرقم وهذه الحقيقة، فكيف نطمئن على مجتمعاتنا العربية، إذا كانت هذه المجتمعات، لا تصل إلى الحد الأدنى من القراءة في المجتمعات المتقدمة. والقراءة في المجتمعات المتقدمة بهذا الحجم وهذه الأرقام، ستقفز بهذه المجتمعات إلى ذرى جديدة من التقدم، وهذه الذرى ستكون أكثر تقدما مما هي عليه الآن، فيما نحن لن نصل إلى مستوى هذه المجتمعات في الوقت الحالي، ولا في الوقت القادم. لاحظوا هذه الفجوة الحضارية الواسعة بيننا وبينهم. فهل قدرنا أن نقف وغيرنا يسير؟، وأن نمشي وغيرنا يجري؟، 

في تجربتنا المحلية مع التأليف والنشر، يحتار الكاتب البحريني (والعربي عموما) بعد أن ينتهي من إنجاز كتابه، ويريد أن يدفعه إلى المطابع، فيكتشف أنه أمام ورطة حقيقية، لا يعرف كيف يخرج منها. إن أخَذَ الكاتب كتابه إلى ناشر سيقول له هذا الناشر؛ لا أستطيع طباعة كتابك، فالمردود المادي لن يغطي ربع تكاليف الكتاب، وربما أقل كثيرا من هذا. في المجتمعات المتقدمة التي تقبل على القراءة، لا يتردد الناشر في طباعة الكتاب إذا وجده جيدا، على حساب مؤسسته، خصوصا للكُتاب المعروفين، فهو يعرف أنه سيبيع الكتاب ويربح منه، ويربح معه الكاتب. الكاتب هنا مستريح يؤلف ولا يفكر في مصير كتابه بعد أن ينتهي منه، فيما يحتار الكاتب العربي ولا يجد طريقة لطبع كتابه إلا على حسابه الخاص، وهو يعلم أنه لن يسترجع عُشر المبلغ الذي صرفه على الكتاب، علمًا بأن معظم الكُتّاب العرب يعملون في وظائف بسيطة مردودها المادي لا يكفي تكاليف معيشة الأسرة. 

كتاب الكاتب هو مولوده الجديد، الذي يريد له الكاتب أن يخرج إلى النور ويصل إلى يد القارئ، بعد أن اشتغل عليه سنوات؛ وأن تتلقفه الأيدي، فهو يكتب ليُقرأ، ولا يكتب لنفسه. غالبا يضطر الكاتب البحريني والعربي إلى اقتطاع جزء من راتبه الذي هو بالكاد يكفيه لمعيشته هو وأولاده. ثم (وهنا الأدهى) سيقبع الكتاب في ظلمات الخزانة في بيته لعدة سنوات طويلة في الغالب، ليغطيه الغبار، فالأيدي لن تتلقفه ولن تسأل عنه، وعليه أن لا ينتظر استعادة مبلغ الكتاب، فماذا سيفعل إذا ألف كتابا جديدا في المستقبل؟، تصيب هذه المأساة الكاتب المعروف وغير المعروف، فالناس لا تقرأ!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها