النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

متى تبزغ شمس العراق؟

رابط مختصر
العدد 11233 الجمعة 10 يناير 2020 الموافق 14 جمادى الأولى 1441

 في اعتقادي أن الدولة العراقية مصابة بداء ظهرت أولى علاماته مع إيصال الولايات المتحدة الأمريكية أحزاب الإسلام السياسي الطائفية المتطرفة في العام 2003 ويستمر معها هذا الداء ويزداد تفاقمًا أكثر فأكثر، وقد يقود ذلك مستقبلاً إلى اقتتالات دامية لن تتوقف إلا إذا تغيرت ثقافة إدارة الدولة القائمة أو الدولة القادمة التي يحلم بها المنتفضون، وهذا الداء مكمنه غياب الدولة المدنية ضامنة حرية الضمير وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين مهما كانت طوائفهم وأعراقهم ودياناتهم واتجاهاتهم. ومن أبرز مظاهر هذا الغياب أمران، الأول: اعتماد مرجعية دينية للدولة، تيمنًا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية الفاشلة، وهو توجه أضفى على مؤسسات هذه الدولة هالة من القدسية جعلتها لا تتحرك إلا وفق ما تجيزه لها هذه المرجعية الدينية، فضاعت مصالح العباد والأرض باسم مصالح سدنة السماء وحراس أبواب الجنة من تجار الدين. والثاني: حشر الأحزاب الدينية، شيعية كانت أو سنية، نفسها في أمور إدارة الدولة حشرًا كرَّس منطق المحاصصات الطائفية التي أضعفت الدولة وجعلتها مجالاً للتنافر المذهبي ونهب المال العام باسم المقدس. هذه هي الخلاصة التي قد تُغني عن إكمال قراءة المقال لبلوغ مقاصده.

 الخلاصة السالفة تقودنا إلى طرح التساؤل الآتي: هل يعتدل حال الدولة العراقية وينصلح في ظل هيمنة الأحزاب الطائفية على زمام السلطة السياسية؟ الإجابة في ظني نفي قطعي بـ(لا)، وهي الإجابة المباشرة عن هذا السؤال دون تردد؛ لأن الأوضاع في هذه الدولة منذ أكثر من سبعة عشر عامًا قد سلكت اتجاها انحداريًا ذهب بها بسرعة في الاتجاه الأسوأ، ومنه إلى الأسوأ إذا ما بقي الحال على ما هو عليه، وفي هذا تجسيد لقانون منطقي طبيعي مفاده أن الأسباب نفسها لا تقود إلا إلى النتائج ذاتها، ولا يمكن أن ننتظر تغييرًا إلى الأفضل وأسباب الخراب قائمة. ولهذا فإن المواطنين العرب يرجون خيرًا في الانتفاضة المباركة للشعب العراقي والتي كان عنوانها الأبرز القضاء على المحاصصة الطائفية وإنهاء هيمنة الأحزاب الطائفية على العملية السياسية ليصبح القرار السياسي عراقيا عربيا خالصا بعد التحرر من النفوذ الإيراني المقيت. 

 معممو إيران وحرسهم الثوري الذين يأخذون من الأراضي العراقية ساحة ثأرية من العرب، يدركون هذه الحقيقة، ولذلك نراهم يعملون على أن تبقى الأوضاع في العراق غير مستقرة؛ لأن كل بارقة استقرار قد تعجل بترحيلهم وأعوانهم من المشهد العراقي، وهو ما جعلهم يسعون بكل ما أوتوا من جهد إلى أن يُغَيّرُوا أو يؤخِروا الأهداف المرتجاة من هذه الانتفاضة المباركة بالترهيب أحيانا والتشويه دائما، وبافتعال الأزمات افتعالا تأتي ضمن إطاره أحداث استهداف السفارة الأمريكية وما ترتب عليها من ردة فعل أمريكية غاضبة أودت ببعض رؤوس الشر المذهبية وفي مقدمتهم قاسم سليماني وأبومهدي المهندس، وهي الرؤوس التي عملت طويلاً على إبقاء المجتمع العراقي منقسمًا متناحرًا.

 شخصيًا أُقدر بأن استهداف رأسي الشر، قاسم سليماني وأبومهدي المهندس، كان عملاً مبررًا ينبغي أن يُجير لصالح العملية الانتقالية إلى نظام سياسي مدني مستقر يحتوي كافة المكونات الاجتماعية العراقية. فالعراق شبع انقسامًا وقد حانت ساعة التئام المكونات الاجتماعية على أساس المواطنة. وعلى الرغم من أن عملية تصفية المذكورين قد تمت على الأرض العراقية، فإن ذلك في ظني لا يعد فعلاً إجراميًا؛ لأن السلطة السياسية العراقية القائمة القابلة بالنفوذ الإيراني وبحضور مكثف للقوى المتحالفة لمحاربة داعش راضية بأن تكون أراضيها مداسًا لقوى متصارعة لم يكن توقع اشتباكها بعيدًا. 

 لا أحسب أن ما يمور به اليوم العراق، بلد الحضارات والتاريخ المديد، من المشكلات إلّا من نتائج غياب مؤسسات الدولة المدنية. فوجود المرجعية الدينية وإمساك الأحزاب السياسية بزمام السلطة وتقاسمها محاصصةَ، وتغلغلها في مفاصل الدولة واقتسام مميزاتها الوظيفية وريعها، أسهم بشكل كبير في إلغاء حقوق مواطنين من مذاهب وأعراق وإثنيات يعج بها المجتمع العراقي. ولتوضيح ما نرمي إليه من هذا الاستنتاج نسوق هذا السؤال: هل سيكون من المتاح لإيران وحرسها الثوري ذي العقيدة الولائية التدخل الفج في الشؤون العراقية الداخلية لو لم يكن للمرجعية والأحزاب الطائفية الحاكمة الحضور الطاغي على شكل الدولة؟

 إن استعجال المنتفضين العراقيين بسعيهم إلى تحقيق المطالب المحقة بتعيين رئيس وزراء يرضى عنه الشارع المنتفض، وتشكيل حكومة طوارئ، وإجراء انتخابات برلمانية نزيهة يصل إلى تمثيل الشعب من خلالها نخبة من خارج الطبقة السياسية الحاكمة، وبناء جيش ذي عقيدة وطنية لها امتدادها القومي مع إلغاء كل المراسيم والقوانين التي أسهمت في نشر السلاح خارج نطاق الدولة، هي الطريق المؤدية إلى بناء وطن عراقي يحتوي كل المكونات. هذه الإجراءات في اعتقادي لن تتيح لإيران ولا لحرسها الثوري وأعوانه أن يعيثوا فسادا في الأرض العراقية، كما فعل قاسم سليماني عندما أُتيح له تحشيد الطائفيين لخلق جيش رديف للجيش العراقي الوطني يسهل للإيرانيين التغلغل في المجتمع العراقي، ويُستخدم لقمع الشعب عندما يعبر عن إرادته للتخلص من الهيمنة الإيرانية.

 لقد علمنا التاريخ أن العراق بلد ينجح دائمًا في صد الغزاة، وتجاوز المحن، وإني لأراه منتصرًا عما قريب على كل من أساء له، متعاليًا على جراحه؛ ليبني بفضل أصوات العراقيين الهادر في الساحات عراق المواطنة والدولة المدنية، وإني لأرى شمس العراق بازغة قريبًا جدًا؛ لتبدد الظلام الإيراني وتوابعه من العملاء والأحزاب الطائفية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا