النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11323 الأربعاء 8 ابريل 2020 الموافق 14 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:01AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    5:58PM
  • العشاء
    7:28PM

كتاب الايام

صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية (16)

رابط مختصر
العدد 11232 الخميس 9 يناير 2020 الموافق 13 جمادى الأولى 1441

اهتمت الرواية في أمريكا اللاتينية ليس بصورة العربي وحسب؛ بل وبوصف ايضًا نوع التجارة التي بدأها العرب، وصاروا أبطالها في منطقة إلهيوس في براري البرازيل الشاسعة: «كان العرب البؤساء باعة جائلين في الطرقات، يعرضون حقائبهم المفتوحة بفنونهم السحرية، وبأسعار بخسة يبيعون ملابس قطنية، وعقودًا مقلدة وملونة (الاكسسوارات) وخواتم زجاجية لا معة، وعطورًا بماركات أجنبية مصّنعة في ساوباولو». 

نتحسس حوارات وقيم ذلك العربي في القارة وكيف يقدم الروائي البرازيلي العربي نسيب، الذي ورث تقليد ابيه في حكاية الحكايات والتفاخر بأرضه الاصلية، مبرزًا بذلك عزة النفس التي يمتلكها أهل تلك المنطقة البطريركية، التي تقع على الجانب الآخر من الاطلنطي. 

ففي إحدى الحوارات بين بعض الأصدقاء حول الزنا والعقاب الممكن عليه، يطرح نسيب انه في أرض أبيه: «يعد شرف الرجل مقدسًا، وما من أحد يلعب بالشرف». يذكرنا مثل ذلك الحوار البرازيلي بشخصية وروح سانتياغو نصار في رواية قصة موت معلن الكولومبية، لنجد مدى التشابه والتقارب العميقين بين مكونات الشخصيات العربية وسماتها في القارة، منذ بواكير السنوات الاولى من الهجرة.

 بدت نظرة نسيب لموضوع الشرف وقانون الانتقام، التي يتباهى بها لدى الآخرين غير العرب «عادات غريبة!». 

يهتم امادو بحالة الوجاهة عند العربي القادم من بعيد، فيصف جورج امادو البطل كمنتصر داخل المجتمع المستقبل للهجرات، الذي اختاره اسلافه ليسكنوه: «لم يكن فقيرًا بائسًا، بل كان السيد نسيب سعد، رجلاً له وجاهته، له رصيد في الميدان، صاحب أفضل بار في المدينة، يملك مالاً في البنك، صديقًا لكل الناس المهمين وسكرتير الجمعية التجارية». تلك الجمعية التي تحولت بالتدريج الى أحد العناصر الأكثر سلطة في المدينة، وكانت مكونة من النخبة الاجتماعية، وبداخلها كان يتعايش، إضافة الى ملاك الاراضي من السكان الاصليين، مهاجرين اثرياء مثل «معلوف» المشار اليه والذي كانوا ينادونه بالسوري احيانا وبالعربي في احيان أخرى، وكان «صاحب اكبر محل في منطقة إلهيوس». 

من الطبيعي مع مرور الوقت أن يتداخل السكان الاصليون مع الوافدين الجدد ليس في مجالات التجارة وحدها وإنما في الانصهار في بوتقة العاطفة المتوهجة بعلاقة الرجل بالمرأة كحالة انسانية متوقعة تزيح بالتدريج جدار العزلة والخوف بين العناصر البشرية. نجدها مع شخصية نسيب هذا العربي المنصهر في الارض الجديدة، والناجح في التجارة، يشرع في الشغف بالفتاة «جابرييلا» ابنة هذه الارض، فتتحول من طباخته إلى زوجته، ومن خلال هذا العشق الذي يصبغ الرواية، تنعكس التناقضات السريعة بين رجل مجتمع مثل نسيب وامرأة عاشقة للحرية، وبعيدة عن التقاليد الاجتماعية كما هي جابرييلا! غير أن عشق العربي المحافظ والوقور، يستسلم في النهاية أمام شغف جابرييلا الجامح بلا قيود، ما يمكن ملاحظته في صفحات الرواية، حيث نرى على مدار السرد، صورة عربي مندمج في ثقافة شعب باهيا: انصهار اجتماعي، لم يكن يعني في حالة المهاجرين العرب، نسيان الآثار الأصيلة، فبطل رواية امادو لا يزال هذا البرازيلي المولود في سوريا، والذي يشعر انه غريب أمام أي طعام لا ينتمي لباهيا حتى لو كان كبابا، وهو طبق أصلي في المطبخ اللبناني والفلسطيني والسوري، ولا يزال المنحدرون من العرب يطهونه في كل انحاء امريكا اللاتينية ليبرهنوا أنهم رغم أنصارهم في الثقافة الجديدة، إلا أنهم لا يزالون ينتمون للأصول العربية. وبذلك لا يستغني العربي مهما تفاعل واندمج في قضايا كثيرة ان ينسى مذاقه ومزته، التي ليست من طباع وعادات تلك الشعوب. 

هكذا أدخل العرب الوافدون معهم الى القارة «مطبخهم» المميز، والذي فتح له مكانة في الذوق العام والطهي والعادات الغذائية، التي لا تهتم بالفوارق لا الثقافية ولا الطبقية بين التكوينات الاجتماعية الجديدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها