النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

رحيل «سيّدة الحدث»

رابط مختصر
العدد 11231 الأربعاء 8 يناير 2020 الموافق 12 جمادى الأولى 1441

في غمرة انشغال الناس بفرحها وسعادتها بوداع عام واستقبال عام آخر جديد، وتبادلهم التهاني بقدومه متمنين فيه لبعضهم البعض الطمأنينة والأمن والصحة والسعادة والعمر المديد، كان للقدر خفاياه ومضمراته التي لا تدركها أعين البشر ولا يتوقعونها، وهي غالبا ما تكون بعيدة عن حساباتهم، إذ قدّر الله وما شاء فعل ليتفاجأ الناس، في صبيحة اليوم الثاني من العام الجديد عام 2020، وخصوصا منهم من ألفوا متابعة برنامج «حدث اليوم» الإخباري الحواري، بنبأ وفاة من توصف بـحق «سيدة الأخلاق والأدب والمهنية والاحترافية»، «قطعة الكريستال» «أيقونة الإعلام الإخباري المرئي» نجوى قاسم المذيعة والإعلامية الشهيرة بالقناة الإخبارية، قناة العربية الحدث.

هذا النبأ الفاجع لا ينبغي أن يمر مرور الكرام، وينبغي أن يلقى له المساحة الكافية للتعبير عن الأسى لفقد إعلامية بقامة نجوى قاسم؛ لأن الراحلة واحدة من الإعلاميين الذين مارسوا دورًا توعويًا تنويريًا من قناة العربية الحدث، القناة التي أراها في تقديري الشخصي البديل الإعلامي الصادق الذي يبحث عنه المواطن العربي بدلاً عن قناة الكذب والتدليس، قناة العار، قناة الجزيرة القطرية، التي اتخذت من صناعة الحقد والخبر الكاذب خطًا تحريريًا باتت مقاصده معلومة للقاصي والداني. وإذا ما تطلب الأمر إجراء مقارنة بين مذيعي قناة الجزيرة مع نجوى قاسم فإن النتيجة ستكون حتمًا لصالح نجوى؛ لمهنيتها واحترافيتها وموضوعيتها العالية وجرأتها الجلية في نقل الخبر والتحفيز إلى تحليله بعين العقل. لهذا، فإنه لا أقل من أن نستحضر بعضا من جهودها الإعلامية التي تصب في اتجاه التثقيف السياسي والتحليل الإخباري وفاء منا لروحها، وتعبيرا عن تأثرنا البالغ بفقدها.

لا أُصغّر أو أقلل من مكانة أي مجتمع أو بلاد عربية أو أجنبية في الحكم الذي سأورده بُعَيْد كلمات؛ لأني ببساطة لا أستطيع فعل ذلك، فلكل بلد عطاءاته وكفاءاته، ولكني أرى أنه من حقي أن أستنتج وفق ما نشاهده على شاشات التلفزة المختلفة التي يعج بها الفضاء الإعلامي العربي أن أقول إن تكون إعلاميًا مميزًا في بلاد ولّادة لإعلاميين نجوم تدفع بهم بسخاء إلى البلدان العربية مثل لبنان فهذا أمر ليس ميسرًا دائمًا، ولهذا فإن «سيدة الحدث»، نجوى قاسم تستحق الكثير مما قيل في وصفها، فهي التي

صنعت نجوميتها حيثما مرت، وتركت بصمة أدائها الإعلامي المميز، إنها بشهادة من عرفها أو عمل معها من الإعلاميين القلائل الذين قيل عنهم إنهم قدوات لأقرانهم ومجايلييهم من الإعلاميين والصحافيين. لقد جسدت فقيدة الإعلام العربي النزيه قيم الإعلام الإخباري السياسي ذي الطابع التوعوي؛ لتنتشل، بطريقة أو بأخرى، المتلقي العربي من الوقوع في شرك إعلام التضليل والتدجيل الذي تُعد قناة الجزيرة القطرية حاملة لوائه، والذي انتشر مع الأسف عبر قنوات سوء دأبت - فضلاً عن نشأتها المشبوهة وتمويلها الغامض - على حرف الفكر باتجاه خيانة المجتمعات والأوطان، لصناعة طابور خانع ييسر على ذوي المنفعة من خراب الأمم أمر إنفاذ سياساتهم التخريبية.

غادرتنا نجوى قاسم تاركة خلفها إرثًا إعلاميًا فيه الكثير مما سيستفيد منه الداخلون الجدد إلى عالم الإعلام والصحافة. كانت نجوى قاسم محاورة من الطراز الأول، كانت على الدوام مسكونة بسؤال البحث عن الحقيقية، فهي كانت تُشعِر متابعيها دائمًا بأنها لا تواجه ضيوفها إلا وهي متسلحة بتفاصيل الحدث الذي تنوي مناقشته مع محاوريها الذين تختارهم بعناية، عارفة بخلفيات الخبر مستقرئة تداعياته. وقد كان ذلك يعطي للحوار الذي تجريه «سيدة الحدث» قيمة للباحثين عن الحقيقة في ثنايا الأخبار التي تغص بها قنوات التلفزة، كانت مختلف محاوراتها الصحفية دقيقة عذبة تُرغمك على الاعتراف بذكاء نجوى وجمالية إدارة الحوارات وإن كان الموضوع مأساويا.

كم كان بودي لو وصلت كلمات هذا المقال، التي أرجو أن تفي الراحلة جزءًا مما تستحق مني متابعًا دائما لها، إلى أختنا في الإنسانية نجوى الباحثة عن الحقيقة، كم بي رغبة في أن أبشر مذيعتنا الجميلة صاحبة الأداء الإعلامي المحترف بأن العرب سينتصرون في حربهم على الإرهاب بشتى أنواعه، سواء في ذلك ما جاء منه من الإسلام السياسي السنّي أو الشيعي؛ لأن الاثنين، كما كنت تعرفين، يعملان سوية لإسقاط العرب في منازلتهم الحضارية لأعدائهم من حكام إيران وتركيا. كم كنت أرغب أن تكون حاضرة بيننا في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ أمتنا العربية التي كان فيها قتل السفاح أبي بكر البغدادي بشرى خير لإنهاء داعش؛ لتشهد معنا بشائر أخرى تنبئ بنهاية قريبة للنظام الإيراني الراعي الرسمي للإرهاب ولتزف لنا بصوتها العذب ونبرتها الواثقة نبأ مصرع قاسم سليماني مع ثلة من إرهابيي الحشد الشعبي... لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه فقد جرت رياح القدر بما لا نشتهي، وكانت هذه الوقائع المفصلية يوما واحدا بعد رحيل سيدة الحدث.

أعلم أن كل الكلام يعجز عن رثائك سيدتي، ولكني لا أملك منه في هذا الموقف إلا الدعاء لروحك الطاهرة بالرحمة، والأمل في أن نكون يوما بأننا قد صرنا فعلاً أعظم أمة أُخرجت للناس علمًا وعملاً ومواطنة صادقة وحبًا لأوطان خالية من سرطان إيديولوجيات الخراب والتخريب والموت. فلروحك السلام سيدة الإعلام الحر النزيه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا