النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11523 الأحد 25 أكتوبر 2020 الموافق 8 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية (15)

رابط مختصر
العدد 11229 الإثنين 6 يناير 2020 الموافق 11 جمادى الأولى 1441

يكثف أمادو بسرده اللحظات التاريخية التي مرت بها البرازيل ومدنها نتيجة سرعة النمو والبناء والتعمير. كانت البلاد أشبه بورشة عمل فاستقطبت عناصر بشرية من داخل البلاد وخارجها نحو تلك المناطق التي كانت تنهض من سباتها العميق وعزلتها الأبدية. باتت البرازيل نقطة جذب وحلم للكثير من الجاليات، حلم الثراء والمستقبل. يكتب أمادو: «تحدث زيادة تصيب بالدوار، تولد شوارع في منطقة البحر والتلال، تنشأ ميادين وحدائق وتشيّد بيوت وقصور». في هذا السياق يعيش نسيب سعد، صاحب بار في المدينة، ويرسمه الروائي كبرازيلي المولد، رغم أنه ولد في سوريا وحل على منطقة إلهيوس وهو ابن الرابعة، ووصل حتى باهيا في مركب فرنسي. وفي الفترة التي فيها كان أثر الكاكاو لا يزال مانحًا للثروة، كانت الهجرة إلى المدينة ذائعة الصيت يوميًا، سواء عن طريق البحر أو النهر أو البر، وكان المئات من البرازيليين والأجانب الشرقيين يأتون من كل الأنحاء، من سوريا ولبنان وإيطاليا والبرتغال. وكان هناك تنوع بين المهاجرين يشمل العمال والتجار والمغامرين بحثًا عن مستقبل. 

وبفضل هذا التنوع بين الناس، يقول أمادو بدأت الهيوس تفقد بيئتها المغلقة وتتحول إلى مدينة، ما يبرهن على أهمية الهجرة في تعمير وتطوير القرى والضواحي البرازيلية، وهو تأكيد صالح أيضًا لمناطق أمريكية أخرى. 

يشير أمادو إلى تسمية نسيب بـ«تركي» وهو الاسم الذي أطلق في أراضي المهجر على كثيرين من العرب المولودين في مناطق الإمبراطورية العثمانية. وكانت هذه التسمية الخاصة بشخصية الرواية، كما حدث في الواقع اللاتيني الأمريكي. ورغم الحميمية بين نسيب وأصدقائه إلا أنه «كان يضايقه أن يسموه بتركي» وعندما كانوا يفعلون ذلك كان يكرر لهم اسمه غاضبًا، وأحيانًا كان يوبخهم مجيبًا بأنه برازيلي، ابن لسوريين. هذه التسميات استخدمها سكان أمريكا اللاتينية المحليين للمهاجرين المتحدثين بالعربية من الشرق الأوسط.

 يحدد نسيب سعد التناقض بين هويته كبرازيلي، بينما في الحقيقة ولد في سوريا، غير أن جورج أمادو «يتكفل في المشهد الأول الذي يشير فيه إلى البطل بتلخيص الظروف التي فيها تشكلت حياته في مركز الكاكاو الصغير، مشهد يلمّح فيه لرجل مربوط بالأرض التي استضافته من بلده الأصلي، الذي هاجر منه في سنوات حياته الأولى». 

يقدم أمادو وصفًا جميلاً لذاكرة الصبي والمدينة في زمن الضجيج وأحلام الثروة بقوله: «لأن أرضه كانت الهيوس، المدينة الفرحة أمام البحر، أرض الكاكاو، تلك المنطقة الوافرة التي أصبح فيها رجلاً. في البداية جاء أبوه وأعمامه، بدون عائلاتهم. بعد ذلك جاء نسيب مع أمه واخته الأكبر منه بست سنوات، عندما لم يكن قد بلغ الرابعة بعد. كان يستحضر باستمرار سفره في الدرجة الثالثة، النزول في باهيا، حيث انتظره أبوه هناك وانتقاله في قارب حتى البر، ففي ذاك الزمن لم يكن هناك حتى جسر يربط الضفاف. كان نسيب يعتبر نفسه قد ولد في نفس لحظة وصول المركب لباهيا، عند تلقيه قبلة أبيه المحاطة بالبكاء. من ناحية أخرى، أول ما فعله التاجر الصغير عزيز عقب وصول عائلته، أن ساق الأولاد إلى مكتب التسجيل ليسجلهم كبرازيليين». 

نلمس من تلك السرديات ملمحًا قد ميز حركات الهجرة العربية في كل قارة أمريكا اللاتينية: الهجرة المتسلسلة، فعادة ما كان يهاجر الأب أولاً وبعدها يستدعي عائلته. هناك في صفحات الرواية نلتقي ولو بصورة عابرة بشخصيات المرحلة الجدد، يهتم بها الروائي (أمادو) بعض من زبائن البار، مثل ملاك الأراضي، وأنماط معروفة في البرازيل باسم «الكولونيلات» كما نجد شخصيتين عربيتين سلط تجاههما ضوءًا خاطفًا، ألا إنهما تشكلان بلا شك نماذج للوافد العربي المنتصر في كل مسارح أمريكا اللاتينية، هي شخصية: «الثري معلوف» «والسوري فؤاد تاجر الفراء». هكذا نتعايش مع اللبنانيين والسوريين في روايات جورجي أمادو، عبقري الرواية باللغة البرتغالية وأدبها في القارة اللاتينية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها