النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

سيبقى العراق عربيًا

رابط مختصر
العدد 11224 الأربعاء 1 يناير 2020 الموافق 6 جمادى الأولى 1441

 مع وجود خمس قنصليات إيرانية عاملة في العراق إضافة إلى السفارة التي مقرها في المنطقة الخضراء بالعاصمة بغداد! فإننا لا نحتاج أبدًا إلى أن تؤكد لنا زمرة الملالي في إيران أهمية هذا البلد العربي عندها، لكن ليس علينا تصديق أن الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية هي السبب الرئيس لهذا الانتشار الدبلوماسي الإيراني فوق الأراضي العراقية، وإذا ما سلمنا بهذا الاعتبار واعتبرناه مقدمًا على كل الاعتبارات الأخرى مثل الاعتبار الروحي المتمثل في المذهب الديني الذي يستخدمه الملالي مفتاحًا للهيمنة الكلية على الدولة العراقية من خلال أحزاب ارتهنت للفكرة المذهبية الخمينية المكذوبة المتمثلة بولاية الفقيه، فإن الأمر لا يستقيم عقلاً ومنطقًا إلا بقراءة تقود إلى الإقرار برغبة إيرانية في استعمار العراق حقيقة وضمه إليها ليكون محافظة من محافظاتها. ففي الأعراف الدبلوماسية لا يوجد -في حدود علمي- تمثيل قنصلي بمثل هذه الكثافة لبلد على أرض دولة جارة أو حتى حليفة، لكم أن تتصوروا معي أن أمريكا، وما أدراك ما أمريكا! بعظمتها الراسخة على منطقية قوتها العسكرية والاقتصادية والعلمية لم تفعل ذلك في أي بلد من البلدان مهما كانت أهمية تلك البلدان عندها، ومهما كان حجم الأهمية الدبلوماسية والجيو-استراتيجية في ذلك البلد.

 القنصليات الإيرانية الخمس تقع في البصرة والنجف وكربلاء وأربيل والسليمانية، وهذا في حد ذاته يعطي اليقين الذي لا يُدحض بأن إيران تعمل جاهدة على إبقاء العراق العربي يرزح تحت هيمنتها، وهذه حقيقة تتجلى من خلال الروابط السياسية والدينية التي تقيمها السلطات الإيرانية مع ممثلي الأحزاب الطائفية التي هي في الأصل الماسكة بزمام الحكم في بغداد بحكم قانون انتخابي مشبوه ودستور يكرس المحاصصات الطائفية تحت لبوس ديمقراطي في ظاهره، بل إن هذه الحقيقة تأكدت من خلال النهج المفرط في القسوة والإجرام في مواجهة المحتجين، بتحريك ميليشيات الأحزاب الموالية لإيران لتخريب الطابع السلمي الذي انطلقت منه الاحتجاجات، وممارسة شتى أنواع الجريمة في حق المتظاهرين السلميين بالاختطاف والأسر والتعذيب والقتل قنصًا أو تحت التعذيب. إن القنصليات الإيرانية في هذه المحافظات الكبيرة لا تعدو أن تكون غير عيون للحرس الثوري، فتحركات قاسم سليمان في زياراته المكوكية للعراق جعلته يتخذ من المتنفذين الحزبيين الطائفيين في هذه المحافظات بالإضافة إلى بغداد محطات يرسم فيها بمعية من باع شرف الوطنية من زعماء الميليشيات مقابل المذهبية ومن يوصلهم المال الإيراني إلى مواقع صنع القرار المتماشي مع المصالح الإيرانية، المخططات الطارئة التي تتطلبها مرحلة ارتفاع الوعي المجتمعي بأهمية استقلال القرار السيادي في بلاد الرافدين، ولعل من أهم هذه المخططات مخطط الإجهاز على الحراك الشعبي العراقي الحالي؛ لأن فيه خطرًا يتهدد العمق الإيراني نفسه، إذ سيقدم درسًا في الصمود لثوار في إيران لم يخمد لهيب رغبتهم في الخلاص من كابوس حكم تجار المذهب والدين.

 ثلاث من هذه القنصليات تقع في البصرة والنجف وكربلاء، وهي مدن لها وزن استراتيجي مهم في الداخل العراقي، وقد عبَّر المحتجون بطريقتهم الخاصة عن رفضهم القاطع لتمادي إيران في انتهاك السيادة العراقية، وجعل الأراضي العراقية مرتعًا لممارسة صنوف من القذارات مثل تصدير المخدرات بشتى أصنافها لصرف الشباب العراقي عن ممارسة نشاطاته الوطنية. هذه القنصليات تقع في المناطق العربية الشيعية التي تتاجر إيران وعملاؤها من الأحزاب الطائفية بإيمان منتسبي هذا المذهب من العراقيين الشرفاء ودمائهم، وتمارس في ذلك كذبًا أجاجًا بأنها المدافعة عنهم وحامية حمى المذهب الشيعي إظهارًا لمخادعة كبرى مفادها أن أصحاب هذا المذهب مظلومون في بحر المذهب السني! وبهذا تضرب إيران عصفورين بحجر خسة واحد: ولاء البسطاء من الناس ودق إسفين التفرقة بين العراقيين على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم. غير أن حبل الخديعة والكذب قصير، فالوعي بالخطر الداهم من إيران نمّى وعي العراقيين بضرورة استرجاع وطنهم من أيدي الغزاة وعملائهم، فكان حرق القنصليات وتخريبها أوضح رسالة معبرة بما لا يدع مجالاً للشك عن كره العراقيين لحكم الملالي في إيران من جهة وعن صدق انتمائهم العربي من الجهة الأخرى، إذ لن يكون الانتماء المذهبي، مهما جهد الملالي وصرفوا من أموال، بديلاً عن الانتماء الوطني والقومي بأي حال من الأحوال. هذا ليس استنتاجًا نظريًا أو حلمًا من أحلام مؤمن بعروبة العراق، بل هو حقيقة واقعة ينطق بها الحراك الشعبي العراقي الوطني مدويًا في أرجاء الأراضي العراقية من زاخو إلى البصرة.

 مساعي إيران منذ مجيء الخميني إلى الحكم لم تفتر ساعة واحدة عن محاولات ابتلاع العراق؛ لأنها في ذلك ستجد الوضع مريحًا لها لتفعيل سياسة تصدير ثورتها الموبوءة إلى الجوار، فبابتلاع العراق تلتفت إيران بكل جهودها إلى بقية دول الخليج العربي؛ لتعمل على إخضاعها لهيمنتها بشتى الطرائق والوسائل. وهذه المطامع أدركتها دول الخليج العربي منذ البداية، إذ لم تجد في تأسيس الدولة الدينية في إيران غير تهديد صريح لوجودها، فسارعت بالاتحاد في إطار مجلس تعاون يكون قادرًا على ردع مطامع إيران، وقد نجح مجلس التعاون في هذه المهمة رغم خيانات بعضهم في أكثر من جولة مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران وأعوانها. 

 الشعب العراقي وجيشه العربي بعد أن لقن إيران درسًا في حرب الثماني سنوات، وأجبر الخميني، كما قال بنفسه، على تجرع كأس السم وهو يقبل وقف إطلاق النار، ها هو يثور في وجه الطبقة الحاكمة العراقية معلنا رفضه ارتهان هذه الطبقة لإيران؛ ليعلن رغم التفقير والتنكيل والترهيب أن أرض العراق عربية ولو كره الصفويون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا