النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11324 الخميس 9 ابريل 2020 الموافق 15 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:00AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    5:58PM
  • العشاء
    7:28PM

كتاب الايام

ما بعد لحظة الاحتفاء:

هل المطلوب من المثقف أن يغير العالم؟

رابط مختصر
العدد 11224 الأربعاء 1 يناير 2020 الموافق 6 جمادى الأولى 1441

لشد ما أسعدني الاحتفال الذي نظمته أسرة الأدباء والكتاب بتعاون كامل من هيئة البحرين للثقافة والآثار ورعايتها، بمناسبة يوبيلها الذهبي، وذلك لسببين اثنين:

- الأول: هذا الحضور الكبير واللافت لأجيال متعددة من المثقفين والمبدعين باختلاف ألوانهم وتوجهاتهم الفكرية والأدبية، وهو أمر نادر الحدوث، وقد نجح هذا الحفل في تحقيقه، بشكل لافت.

- الثاني: هذه الشراكة الناجحة والمتميزة بين الأسرة كمؤسسة أهلية عريقة، وبين الهيئة كمؤسسة رسمية تحمل على عاتقها مهمة رعاية ودعم الثقافة والإبداع، وهي الشراكة التي تمر بأفضل حالاتها في هذه المرحلة.

 وبعيدًا عن جماليات الاحتفال الناجح والمتميز في مختلف جوانبه، فإننا نحتاج إلى مراجعة عدد من النقاط التي يفترض أن تكون مدار نقاش متجدد:

- أن الأسرة قد نجحت، وباستمرار في امتحان التجدد والتطور جيلاً بعد جيل، لأنها استطاعت وباستمرار أن تكون الوعاء الحامل والمتقبل للجميع. فكم كان مهمًا وحيويًا بالنسبة للحركة الثقافية والإبداعية في البحرين أن تكون الأسرة جامعة لمختلف التوجهات. وكم كان مهمًا أن يلتقي شعراء وكتاب قصة ومسرحيون ونقاد وكتاب صحفيون في فضاء واحد للحوار والمناقشة، دون أن تفسد تلك الحوارات للوّد قضية. حوار بين الأجيال، وحوار بين المثقفين المبدعين والأكاديميين. كما كان وما يزال الحضور الأكاديمي النقدي، رافدًا حيويًا بالنسبة لعمل الاسرة، فالمؤسسة الأكاديمية تنفرد بنوع من الخطاب الثقافي من دون تجاهل لطبيعة الحراك الثقافي اليومي العام بمغامراته واجتهاداته.

- أن الأسرة نجحت في خلق نوع من اللغة والمقاربات النقدية جديد تكون مهمته الأساسية إنتاج خطاب نقدي مفارق لليقين العلمي بمعنى من المعاني وذلك بالاشتباك مع آخرين غير متخصصين بالمعنى الأكاديمي. فكم كان مهمًا أن يتواصل رجل مثل الدكتور علوي الهاشمي أو الدكتور إبراهيم غلوم أو المرحوم محمد البنكي، أو غيرهم كثير، من خلال الملاحق الثقافية أو من خلال الأوراق التي تعرض في الأسرة في إطار المراوحة بين العمل الأكاديمي، والعمل الثقافي العام، في مجال النقد الأدبي تحديدًا، ليوسع ذلك من الأفق الضيق للنقد الأكاديمي الجامعي الذي تحاصره النظريات التي تتفاعل في الغالب ذاتيًا بمنأى عن الإبداع الأدبي نفسه، فإذا بالحوارات داخل الاسرة تمنحه بعدًا جديدًا يقربه من الممارسة على الأرض.

- أن من ضمن أهم أدوار أسرة الأدباء والكتاب وأهدافها ككيان أدبي، أن يكون لها دور في اكتشاف المبدعين وصقل مواهبهم والأخذ بأيديهم والمساعدة على تطوير أدواتهم. والأسرة تضطلع اليوم بدور أكبر في هذا المجال وتواصل جهودها في اكتشاف ورعاية المواهب الأدبية من خلال عرض التجارب ومناقشتها، وهذا أمر أساسي ومستمر في عملها.

- في المقابل نلحظ بروز ظواهر جديدة ناجمة عن تحولات العمل الثقافي وأدواته الجديدة، مثل النزعات الانعزالية والفردية المبالغ فيها، فعندما نتحدث اليوم إلى بعض المبدعين عن «الجهد الثقافي الجماعي» وعن «المؤسسات الثقافية الرسمية أو الأهلية» يؤكدون بأنهم «قطعوا» علاقتهم بكل هو جماعي، وانه لم يعد في وارد حسبانهم الإيمان بإمكانية العمل الجماعي او العمل الإبداعي المؤسسي، وأنهم يفضلون الابتعاد والبحث عن مسارات خاصة وفردية. وبعض الذين يبررون مثل هذا الخيار يبحثون له عن تأسيس فلسفي بالتأكيد على أن الإبداع في مطلق أحواله فردي، فـ«الفردية» هي أساس الإبداع، بما أنه بحسب تعريفهم «مشروع فردي» وانه «لا فائدة تقريبًا في كل ما هو جماعي»، وأن الحل الوحيد هو «الانتصار للفردية والانحياز للذات» وأن طوق النجاة هو أقرب إلى نوع من التصوف أو «الزهد» في الجماعة.

- بعض المثقفين يؤسسون برؤاهم إلى نوع جديد من العالقة مع المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها الأسرة، تقوم على «انه لم يعد مطلوبا من المثقف أن يغير العالم». وأن المثقف يجب أن ينأى بنفسه عن المعترك السياسي، ويبقى بعيدًا، يراقب ويلاحظ ويحلل. إلا أن هذا التوصيف يتناقض مع الوظيفة الاجتماعية للمثقف، التي يوضحها المفكر الفرنسي جون بول سارتر بأن «المثقف هو الذي يدس أنفه فيما لا يعنيه، من خلال التزامه بالمساهمة الفاعلة في معالجة كبريات قضايا المجتمع ومحاولة إصلاحها بما يفيد المجتمع ويدفعه نحو التغيير إلى الأفضل». وقد يقول البعض هنا: إن فكرة (الالتزام) قد انتهت، وتجاوزها الزمن. فالمسألة ترتبط أساسًا بتغير أدوار المثقف هذا العصر.. فإذا كان ماركس في يوم من الأيام قد قال إن «الفلاسفة قد أضاعوا وقتهم في فهم العالم في حين أن المطلوب هو تغيير العالم»، فإن البعض يرى أن العكس هو الذي حدث في الواقع. حيث اصبح المطلوب من المثقف أن يكرس جهده في فهم العالم وتحليله والتقريب من أسراره.. ومن هذا المنطلق يرى هؤلاء أن موضوع أسرة الأدباء والكتاب ليس بعيدًا عن هذا التحليل. فقد عملت الأسرة في فترات سابقة ضمن دائرة فكرة تغيير العالم، على خلفية قدرة المثقف على التغيير.. إلا أنها لم تنجح في ذلك، من وجهة نظرهم، ولهذا تبدو اليوم وكأنها تعمل وفق الآلية الأخرى.. فقد حدث تغيّر في موضوع الثقافة وأصبح هناك توجه متزايد نحو التخصص الأكاديمي. إلا أن أصحاب الرأي الآخر يرون أنه لا مجال لعدم انحياز المثقّف في المعركة الاجتماعية من أجل الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة، وهذا يفرض عليه نوعًا من الالتزام تجاه قضايا مجتمعه. ومن هنا أعتقد أنه ليس من الانصاف تحميل أسرة الأدباء والكتاب المسؤولية كاملة عما تمر به من أوضاع وتحولات بين فترة وأخرى. إذ يجب أن نقر بأننا عندما نخسر مناخ الحوار الحر والقبول بالنقد وبالرأي الآخر، نخسر عقلنا الجماعي وفعلنا الجماعي الحي للتقدم الثقافي والإبداعي. ولذلك لم يعد غريبًا غلبة ثقافة فردية، تعاني من غياب وسيلة للتفاهم في مجتمع لا يتكلم لغة مشتركة، ولا تكاد تجمعه إرادة واحدة، بسبب تشتت الإرادات وغلبة النرجسيات والخلافات. كما أن العديد من المثقفين يعيشون اليوم انفصامًا بين مكبلات واقعهم وطاقة الدفع الكامنة في وجودهم التاريخي، ومن هنا أصبحنا نجد (المثقف) الذي يحلم بالحرية، وهو يبشر بالفردية المستبدة أو يبرر انتسابه لثقافة اللامعنى والهذيان، بل قد نجد المثقف المنتج للسخافة التي يسعى إلى تسويقها على الجمهور، بدلاً من أن يكون «منتجًا للروح» وللأفكار والرؤى والمواقف. 

ويبقى في الخلاصة، القول بأن المثقف يحتاج إلى الانخراط في مشروعات مجتمعية وجماعية وقومية وإنسانية كبرى. وقد عايشنا انهيار المشاريع النهضوية الكبرى على الصعيدين القومي والإنساني، وعاينا سيطرة ظلال باهتة لأوهام مشاريع ترجمها خطاب النفعية الفردية أو الانتهازية الثقافية إن صح التعبير.

 وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها