النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

عندما ينقلب دعاة الدولة المدنية ضدها

رابط مختصر
العدد 11224 الأربعاء 1 يناير 2020 الموافق 6 جمادى الأولى 1441

لا ندري لماذا ينكؤون الجراح فيعاودون الاصطفاف خلف دعاة الدولة الثيوقراطية في أردأ أشكالها التي عرفناها طوال تجارب التخلف في تاريخنا العربي.

علاء الأسواني روائي مصري عرفناه من خلال روايته (عمارة يعقوبيان) بوقائعها المدنية وإيقاعها العصري وشخوصها المدنية، ينقلب وقد اتخذ من ألمانيا مقرًا ليناوئ دولته المدنية ويروِّج خطابًا مسكونًا بِنَفَسٍ فئوي نزق يروِّج فيه لجماعات التخلف والتطرف.

وبأسلوبٍ استفزازيٍ مبالغ فيه يُهاجم من منبره الأوروبي مشروع الدولة المدنية باصطفافه خلف غوغائية خطابات وجماعات العنف، ويكاد يرقص على إيقاعات انتصارات دولة الإسلام السياسي بذات الأسلوب المتنمر ضد بلاده ونظامها حتى لا تعرف ماذا يريد ولا أي نظام أو أسلوب حكم يدعو وقد أصبح «كاتب ضد» دون أن يحدد هويته كمثقفٍ وكاتبٍ وسياسيٍ يحمل مشروعًا.

علاء الأسواني ذكَّرنا بجماعاتٍ تعرف نفسها، خلعت قميصها المدني وتاهت في وادي الغوغائيين تنتشي لأسلوبهم، وتقدم لهم واجبات السمع والطاعة في شاردةٍ وواردة ولا تجرؤ حتى على الاقتراب من أنظمتهم أو من أساليب حكم البطش والقمع الذي يُمارسونه ضد مواطنيهم.

تتبَّع وترصد أشياء صغيرة هنا لتنفخ فيها وتهوّل وتضخّم وتلطم، وتتغاضى عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى في الأنظمة الثيوقراطية القريبة منها، فنسأل أهكذا وبمنتهى البساطة يتنكر «السياسي» والمثقف لتاريخ حزبه وتنظيمه ويخوِّن رفاقًا له كانوا مخلصين وأوفياء ومتمسكين بمشروعهم المدني ولم يساوموا على الدولة المدنية كما فعل ورثتهم حين رهنوا ثم باعوا مدنيتهم لحساب الثيوقرطية.

في التحليل الأخير تبدو المدنية كمشروعٍ تقدميٍ وحضاري أكبر منهم ومن وعيهم الفكري والسياسي والاجتماعي، حيث انحصر همهم السياسي في شعارات «إسقاط الأنظمة» دون أية اعتبارات وحسابات ومعادلات سياسية توازن وتقارن وتقيس المسافات بين مشروعها وبين مشروع الآخر، لذا فإنها ذابت في المشاريع الثيوقراطية كونها تحمل شعارهم «إسقاط الأنظمة» بغض النظر عن المشروع البديل الذي تحمله الثيوقراطية في طبعتها الأكثر تخلفًا كما في إيران الولي الفقيه.

ومع فقدان المشروع المدني وتخليها عنه، تخلَّت عن دورها التنويري والنهضوي بما يؤشر إلى فقدانها للهوية الخاصة بها، إلى درجة بلغت فيها مرحلة التشكيك والغمز واللمز حتى من المشاريع التنويرية ذات البعد النهضوي بصمتها المطبق عن نقد وعن رفض المشاريع المتخلفة فقط لأنها قادمة من الحليف الثيوقراطي.

هذا التخبط والتلخبط فتح الطريق عند هذه الجماعات أفرادًا وجماعاتٍ لبروز نَفَسٍ طائفيٍ راح يعيد قراءة وكتابة التاريخ في سياق طائفي ومناطقي عصبوي، حتى كاد البعض منهم ينسب تاريخ وطنه مجتمعًا إلى طائفة بعينها ينتمي إليها، بما أشاع حالة تضليل رهيبة وغريبة.

لماذا غريبة؟؟ لأن أحدًا منهم لم ينتبه ولم يشعر بخطورة التمادي والانغماس في هكذا صناعة للوعي وتفكيكه ثم إعادة تركيبه على نمطٍ طائفي تحت يافطة قومجية مرة ويسارية تقدمية مرةً أخرى، مما كرس التضليل والتلبيس وإشاعة نوعٍ من الفوضى الفكرية ذات النزعة العصبوية الضيقة.

فخطابات الأسواني نموذج لتضخم الذات وانتفاخها تمامًا كما هي خطابات من نعنيهم وقد تضخمت إلى درجة لا تسمع سوى صوتها، ولا تقتنع سوى برأيها أو برأي من شابهها في الطرح والنهج والتفكير.

وهو ما سيقود هذه الجماعات وأفرادها إلى انتحارٍ سياسيٍ وثقافيٍ وفكريٍ حين يجدون أنفسهم وحيدين في صحراء قاحلة فكريًا وثقافيًا وحتى اجتماعيًا وقد انفضَّ من حولهم حتى حلفاؤهم وقد استخدموهم حتى انتهى دورهم بعد سلسلة من المتغيرات والتحولات المقبلة قريبًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا