النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11280 الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 2 رجب 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

الأستاذ الأمين محمد عبدالغفار محمد العلوي

رابط مختصر
العدد 11224 الأربعاء 1 يناير 2020 الموافق 6 جمادى الأولى 1441

الكتب كالناس معادن، والمعادن تتعدد وتتدرج نوعًا وجودة بين الذهب والخبث وما دون الخبث، وللكتب كذلك كثمار الزرع نكهتها، نكهة يحكم الذوق على حلوها ومرها، والتذوق نمط من التقييم الذي يخص الإنتاج الادبي الصافي، وبين الكتب تلك التي تتخطى حكم الذوق ومتعة التذوق؛ لأنها من معدن مركب من الفكر والعمل، وهي خارج مجرة الأدب الصرف رغم اعتماد الأدوات الادبية في إنتاجها، وتقييم هذا الإنتاج من الكتب يتمحور في جدلية الفكر في ذاته. من حسن حظي أني قد تعرفت حديثًا على كتاب له خصائصه المميزة من حيث الجهد الفكري والجهد التنظيمي والهدف، ويحمل رسالة إلى وجهتين، رسالة إلى ضمير الكاتب ورسالة إلى ضمير المجتمع، وروح الرسالة هي الأمانة، وهي رسالة نبيلة، وندرة من الكتب هي التي تحمل الرسائل النبيلة.

عنوان الكتاب «التقاعد البحريني بين الأصالة والمعاصرة»، وعنوان ثانوي توضيحي هو «تدوين جزء من التنظيم الإداري والمالي عبر القرون... توثيق وتسجيل الأنظمة السابقة والمعاصرة»، والمؤلف هو السيد محمد عبدالغفار محمد العلوي مدير عام الهيئة العامة لصندوق التقاعد (سابقًا).

عند تصفح الصفحات الأولى من الكتاب وقبل صفحات الفهرس والتقديم والمقدمة والتمهيد، تطل على القارئ كلمة الإهداء وهي: «إهداء إلى كل من رد الجميل للإنسان الذي عرك الحياة في سبيل لقمة العيش الشريف وكسب الرزق الحلال»، إن الإهداء بحد ذاته تعبير عما يحتويه الكتاب والهدف من تأليفه، وبهذا الإهداء يكشف المؤلف عن معادلة العدل بين المسؤول وصاحب الحق الذي يعمل بيد طاهرة مخلصة، وصاحب الحق هو الإنسان الذي يسعى لتأمين عيش كريم شريف بكسب من صفاء عرق الجبين، والمؤلف بهذا الإهداء ينصف الطبقات المنتجة في المجتمع ويكن لها كل احترام وتقدير، وفي المقابل يذكر من تقع عليه المسؤولية أن يسلك الصراط المستقيم باحترام معادلة العدل، وبهذا الاحترام يكون المسؤول قد رد الجميل للإنسان الكادح، والذي بكدحه يؤمن حياة شريفة لنفسه وعائلته ويساهم في بناء وطنه.

المؤلف لا يشير إلى نفسه في محتوى الكتاب بالمطلق، باستثناء بضع كلمات متواضعة في المقدمة لابد منها، دون تباهٍ ولا تفاخر، وهي: «عبر رحلة طويلة من العمر مدتها خمسة وأربعون عامًا قضيتها في خدمة وطني الحبيب من خلال ثلاث محطات. المحطة الأولى كانت في دائرة المالية (وزارة المالية والاقتصاد الوطني) حاليًا، والثانية في دائرة شؤون الموظفين (ديوان الخدمة المدنية) حاليًا، والثالثة والأخيرة في الهيئة العامة لصندوق التقاعد منذ بداية إنشائها في اليوم الأول من أكتوبر 1975... تعلمنا خلالها أمورًا كثيرة من الرجال الأوفياء الذين صنعوا تاريخ البحرين واكتسبنا منهم العلم والمعرفة وحب العمل الدؤوب الفعال للخير في كل حين».

أما المحتوى فهو كشف كامل لجميع القوانين، من بداياتها مع تطوراتها، التي كان يعمل تحت سقفها، وجميع الإجراءات والنظم التي كان يؤدي مسؤولياته بموجبها ويسترشد بها، مع نماذج من الوثائق التي تعكس العمليات التنفيذية اليومية، إضافة إلى التقارير بأنواعها ومدونات محاضر الجلسات، فالمؤلف لم يترك أي جانب من مجمل مسؤولياته إلا وكشف عنها. في هذا الكتاب وعلى خمس وخمسين وأربعمائة صفحة لم يتطرق إلى نفسه أبدًا، باستثناء ما جاء في التقديم الذي كتبه الوزير عبدالله حسن سيف، وفقط ذكر اسمه ملحقًا بقليل من الصور التذكارية، وما جاء في المقدمة. إن الكتاب، بهذا البعد الموضوعي الصرف مع التجرد الذاتي الصرف، هو بمثابة شهادة أمانة، فالكتاب شاهد بأن صاحبه قد استلم أمانة وكانت في عهدته وكان مسؤولاً عنها ومكلفًا بحفظها، وعندما حان موعد التسليم سلم الأمانة كاملة دون نقصان بأمانة إلى أهلها، وخف عن كاهله ثقل الأمانة وهو مرتاح الضمير ويداه طاهرة، هكذا يشهد الكتاب.

حلقة الوصل بيني وبين المؤلف هو الكتاب، ليست بيننا معرفة شخصية سابقة، ولم نلتقِ قط ليدور بيننا حديث ولا حتى كلمة سلام، ولكن الذي شدني إلى ذات شخصه هوشهادته العظيمة التي دونها بين دفتي كتاب، وهو كتاب ليس كبقية الكتب، فالكتاب انعكاس لذات إنسانية من طينة نادرة، وخاصة في هذا الزمن الردي المتردي، ليس موضوع الكتاب أدبًا ولا بحثًا ولا دراسة، ولكن الكتاب حمال للأمانة، استلم الأمانة وعندما حان الموعد سلم الأمانة، والأمانة سجلات وبيانات وحقائق موثقة تجمع بين أصحاب حق وموضوع حق، بين موظفين وعاملبن من جهة، ومسؤول بيده مستحقات مالية من جهة مكملة لأصحاب الحق...

المتعارف عليه، والذي يندرج ضمن الامور المتوقعة والتقليدية، أن يصدر مسؤول كتابًا عن سيرته الذاتية أو مذكراته، وهو عادة من النخب السياسية أو أحد المسـؤولين في الدولة أو المؤسسات الخاصة الكبيرة والمشهورة، والغالبية منهم يلقون نظرات قليلة خاطفة إلـى أسفل الهرم الوظيفي بينما عيونهم شاخصة إلـى ما وراء الغيوم التي تعلو الهرم. المذكرات وأخواتها السير الذاتية تتحدث عن بطولات الكاتب وإنجازاته وعصاميته ومهاراته، وكل ما يندرج ضمن «أدب مديح الذات !!!»، مع بعض من التعرض لفئة أو جماعة معينة، ولكن لم يحصل قط أن خطَّ أو سطَّر أحد منهم، لا وزير وما دون الوزير ولا جنرال وما دون الجنرال، شهادة توثق أمانة الاستلام والتسليم بين دفتي صحيفة أو كتاب... وهنا وجه الاختلاف الجوهري والنوعي بين ما نشره وقدمه الأستاذ محمد، الذي قدم شهادته، تبرأةً للذمة، إلى الوطن والمواطنين كافة. إن كان الذي قدمه كتاب، فكتابه شهادة أمانة، وإن كان الذي قدمه شهادة، فشهادته كتاب نادر... الكتاب بكلماته وأرقامه، ببياناته وصوره، يعكس المناقب والخصائص الراقية لصاحب الكتاب، ويكشف عن إنجازاته وقدراته ومهاراته، وفوق كل هذه الخصائص الراقية، يعرفنا الكتاب عن مؤلفه، دون ذكر أية كلمة عنه، فهو، بشخصه وفي ذات شخصيته، ليس في متن الكتاب بل اسم متواضع مجرد من أي لقب تحت عنوان الكتاب. صمت الأستاذ المؤلف عن ذكر أي شيء عن نفسه، فتحدث الكتاب بإسهاب وتقدير عنه، فوجوده كان حاضرًا في كل صفحة وفي كل وثيقة دون ذكر لاسمه، قد ينتقدني البعض علـى هذا الرأي، وكيف أن الكتاب ليس بمذكرات ولا بسيرة ذاتية، هذا صحيح بالنسبة لطبيعة الكتاب، ولكن موضوع الكتاب بكل ما يحوي يتناول جميع مسؤوليات المؤلف، فبين سطور التوضيح والتفسير لم يستعرض أية عضلة، لا لمهاراته الإدارية ولا لبطولات يتباهى بها لإنجازات، رغم دوره المحوري في إدارة الهيئة وإنجازات حققها، وصفحات الكتاب شاهدة عليها.

إضافة إلى صمته عن دوره في هيئة صندوق التقاعد، فإنه كذلك أديب صامت... أسلوبه أدبي، لغة وبلاغة وتلونًا في التعبير وطرحًا للأفكار... فهو بالتعريف الثقافي والفكري أديب، لقلمه لونه الخاص، وحتمًا فإن إنسانًا بمعيار الأستاذ محمد فإن قلمه أمين، صاحبه يحمل أفكارًا تتسم بالصدق والأمانة، وهو بهذه الخصال يتمتع بكل المقومات التي تمكنه من أن يساهم في خدمة الانسان بفكره النير عبر بوابة الادب والثقافة...

إن الجهد الذي بذله المؤلف وأفرز هذا الكتاب يرقى إلى المستوى الأكاديمي في تأريخ كل الجوانب التي تخص موضوع التقاعد، من بداياته البسيطة إلى مراحله المتقدمة اللاحقة، عبر مائة عام في مرحلة زمنية حساسة من تاريخ البحرين، مما يجعل من الكتاب مرجعًا مهمًا للباحثين المهتمين في دراسة تاريخ البحرين، إن الكتاب إضافة قيمة إلى قائمة المراجع المهمة لدراسة تاريخ أنظمة التقاعد في دولة البحرين.

كتاب بهذا الثقل الجامع بين مختلف أنواع المواثيق، بدءًا من القوانين والمراسيم ومرورًا بالإجراءات الإدارية، إلى محطات التنفيذ بكل ما تحمل من سجلات، بأرقامها وتصنيفاتها، ورسائل وتقارير ومحاضر جلسات، وصكوك تسليم واستلام، عبر مدار من الزمن يربو على المائة عام، يحتاج إلى قدرات ومهارات استثنائية في التخطيط والتنظيم، ورؤية واضحة، وفكر صاف منتج؛ ولأن الكتاب يحمل كامل العهدة التي أوكلت إلى صاحبه، فلم يكن عند الأستاذ الكاتب من شيء يستدعي إخفاءه أو الالتفاف حوله، وهذا يقتضي من الانسان المسؤول ضميرًا حيًا نابضًا بالصدق والأمانة، وهذه هي الشهادة التي ينطق بها الكتاب بحق الكاتب، ويوسمه بلقب الأستاذ الأمين، وهو جدير بهذا اللقب النبيل.

فنحن أمام كتاب، يحمل شهادة الأمانة، والمؤلف هو الأستاذ الأمين محمد عبدالغفار محمد العلوي...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا