النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11563 الجمعة 4 ديسمبر 2020 الموافق 19 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

في وداع عام منقض:

خشية الانضمام إلى قائمة الأمم البائدة

رابط مختصر
العدد 11222 الإثنين 30 ديسمبر 2019 الموافق 31 ربيع الثاني 1441

بعث لي الصديق العزيز حسن ملاحظة بمناسبة العام الميلادي الجديد 2020م، جاء فيها:

«أرجو يا صديقي ألا تتحدث مع بداية هذا العام الجديد عن قصتك السنوية المحببة، عن (عام جديد من البلاهة) كما كتبت أكثر من مرة، لأننا تجاوزنا كعرب -والحمد لله- مرحلة البلاهة إلى مرحلة البلادة. فإذا كانت البلاهة ضعفا في الرأي وتشتتا في الفكر والعقل، فإن البلادة سخافة في العقل وثقل في الفهم، وركود في الذهن، وضعف في الذكاء. وأخشى أننا بتنا على طريق سريع نحو الاندثار كأمة، لننضم إلى قائمة الأمم البائدة»!.

 

كتبت للصديق حسن: 

«لا أريد أن أكون متشائما مع بداية عام أو في أعقاب عام يغادر غير مأسوف عليه. فذلك وضع مقيم في حياتنا العربية التي يقل فيها الفرح، بل ويكاد يختفي. أن تكون بلاهة أو بلادة أو تفاهة، فإن الأمر عندي سيان، لأن مجمل تلك الكلمات مجتمعة تكاد تنطبق على حالنا مهما قلبت المعنى على أوجهه المختلفة. فهذا العام الذي يغادرنا غير مأسوف عليه يحيلنا على عام جديد، نرجو أن يحمل معه بارقة أمل صعب، لعلنا نكون قادرين على قلب الصفحة، وكتابة سطر جديد: (كل عام وأنت بخير والأمة بخير)، أملا كل الأمل في تدخل الإرادة الإلهية لتغيير بعض أحوالنا السخيفة المزمنة!». 

«ولعلمك أيها الصديق العزيز فإنني في ليلة بدء العام الجديد احتفل عادة على طريقتي الخاصة، بوداع عام آخر من بلاهة الصدق والنقاء، أضيئ شموع الأمل، وتتلألأ نجوم الحلم العربي الذي لا يتحقق، ومع ذلك لا يصيبني اليأس أبدا. كل عام جديد أرفع الآمال والأمنيات فوق راية الأجراس، وفوق أهلة القباب وبسمات الناس الطيبين الذي يحتضنون السنوات بكل الأمل والرضى. فتسافر الأماني فوق غربة السفن وترحل كل صباح، فنصرخ في الغيوم: (لا تمطري فوق البحر)، بل أمطري على أجسادنا المنهكة التائهة، وانسكبي داخل القلوب دفئا، عسى أن ينبت الطفل المسافر في ريح الضياع العربي اليومي... فها هو عام قد مضى هاربا منفلتا بين الأصابع كالماء يجري، لا نقف له على وقفة قط، وها نحن نصرخ: (ما حك جلدك مثل ظفرك) والطريق إلى الجحيم من جنة الفردوس أقرب. وذباب العام الجديد ينتشر في الطريق، ونسأل الله حسن العاقبة». 

 

الأشياء التي ترحل ولا تعود

كل يوم يا صديقي العزيز أقف أمام المرآة، أفرك الذقن بالصابون، وتجري الفرشاة ذهابا وإيابا، تتكثف الرغوة، ترتفع سمكا، يختفي الشارب ثم ثقبا الأنف، ثم الشفتان. شحمتا الأذنين تختفيان. يتحول الوجه إلى كرة بعينين فقط. يستهويني المنظر. يستهويني القناع الأبيض على الوجه. أنظر في العينين باحثا عن معنى، أو بعض معنى، فلا أعثر على شيء تقريبا، يرتد إلي البصر، فأعاود النظر والبحث: لا شيء تقريبا. أعيد الكرة مرة ومرتين، بلا جدوى. أتفرس المشهد، أبحث عن التضاريس المختفية وراء الرغوة. أجري موسى الحلاقة من الأعلى، قرب الأذنين والوريد، ونزولا عند الذقن والشفاه. ألمع ملامح وآثار الأعوام الماضية بحفرها وتجاعيدها الغازية. أتمعن في الخارطة الجديدة للعام الجديد، أكتشف -ربما لأول مرة- أن الأيام انفلتت من تحت الرغوة من دون أن أشعر، بالرغم من تكرار الفعل يوميا. أرفع الموسى من الأسفل، عند الحنجرة، إلى الأعلى عند الشفة السفلى، أكتشف مساحة عريضة من الضياع، وسؤال حائر على الشفتين يقول: ثم ماذا؟ هذا عام آخر ينقضي. هذا عام آخر يعود. ثم ماذا لا شيء تقريبا إلا مزيدا من الشعر الأبيض ومزيدا من تجاعيد السنين وأوجاع السؤال الحائر: ثم ماذا؟ عام يطرق الباب. وآخر يرحل، دون جديد سوى المزيد من بياض الشعر وكثافة الرغوة. والمزيد والأخاديد في خارطة الوجه!! عام جديد يتقدم متثاقلا ورغوة الصابون تغطي ثلثي الوجه وتبحث عن طريق. تبحث عن جواب: ثم ماذا؟؟؟ ومع ذلك لا أملك إلا أن أرد التحية بمثلها ببلاهة معهودة أو ببلادة متثاقلة لا تعي نقسها: «كل عام وأنتم بخير» من دون أن تحمل التحية أي معنى!! عام آخر من البلاهة أو البلادة، سيان. عام مضى ونحن نبحث في أكوام الورق الأبيض من دون جدوى! عام يمضي وآخر يقبل، ينقل الخطو عبر الطريق الطويل، وينقل الحذاء من هذه اليد إلى اليد الأخرى. بلا معنى، وينادي معلنا: «في مطلع العام الجديد يداي تمتلئان حتما بالنقود وسأشتري هذا الحذاء»!!.

 

أقوالنا وأفعالنا 

لعلنا من أكثر شعوب العالم رفعا من شأن اللغة إلى درجة أننا أصبحنا نستعيض بها عن الفعل، بل إننا نعتبر اللغة بديلا عن الفعل. فمن يستمع إلى خطبنا وصراخنا ويقرأ يافطاتنا وشعاراتنا التي نعلنها قولا وصوتا وكتابة، يتهيأ له أننا مجتمع إنساني فاضل من الدرجة الأولى. نتكلم عن الإخوة الإنسانية، وعن المودة والرحمة، وعن المساواة والعدل والرأفة والتسامح والوحدة والتضامن. وكثيرا ما نستشهد بالمأثور للتأكيد على صدق نوايانا -على صعيد القول والنوايا طبعا- ولكننا بمجرد الانتقال إلى الأفعال يصبح كلامنا يغني خارج سرب النوايا، وخارج ضفاف الإنسانية -إلا من رحم ربي- فتصبح أفعالنا بعيدة عن مرجعياتنا القيمية والدينية وحتى القانونية. وتلك مشكلة حقيقية تتمثل في اتساع الفجوة بين الأقوال والأفعال.

المطلوب مع بدء العام الجديد وقفة صدق مع أنفسنا، حتى لا نكون من أصحاب أفضل الأقوال وأسوأ الأفعال، وإذا حدث ذلك فقط نكون أفضل انجاز في العام الجديد.

 

همس

درجة فوق الهمس

موحش عالم اليوم

تبحث فيه العصافير

عن فسحة في الفضاء، 

(....)

شدوها صار مثل الضجيج العمومي

صارت تموت مبكرة.

يا عابر الفجر

إن سقطت قطرة

في الصباحات 

على وجهك السمح، 

من دون غيم

فذاك بكاء بلا أحد.

(من قصيدة للشاعر العراقي مظفر النواب)

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها