النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

أعياد ديسمبر

رابط مختصر
العدد 11219 الجمعة 27 ديسمبر 2019 الموافق 28 ربيع الثاني 1441

 أشبّهُ شهر ديسمبر بمخزن أفراح وبهجة، نقطع نحن البحرينيين أحد عشر شهرا لبلوغه والاستمتاع بما حواه هذا المخزن من أفراح. فما إن تنطلق أفراح أعيادنا الوطنية التي تمتد على مساحة الشهر حتى تلوح تباشير احتفالات نهاية العام، بدءا من أعياد مواطنينا والمقيمين على أرض المملكة من أصحاب الديانة المسيحية بميلاد السيد المسيح عليه السلام. ولئن أضحت هذه الاحتفالات منذ زمن بعيد ميزة من مميزات شهر ديسمبر من كل عام، فإن لهذه الأيام من نهاية شهر ديسمبر، وللأسف الشديد، وقع خاص بسبب بعض ممن لا يطيب لهم إظهار تدينهم، بل وتشددهم في التدين، إلا في مثل هذه المناسبات الدينية التي تُظهر في مجتمعنا البحريني تنوعا جميلا يبدو أنه لا يروق لأصحابنا من متشددي المناسبات، فهم لا يرفضون أعياد «الكريسماس» و«الشكر» و«الفصح» إلا لأنها مناسبة دينية، وكذا شأنهم في حياء مع الأعياد الوطنية! ومع احتفالات رأس السنة الميلادية التي نُذكِّر بأنها المناسبة التي تُجمِعُ شعوب العالم بمختلف دياناتها وثقافاتها على الاحتفال بها استبقالا لعام جديد أملا في أن يكون هذا العام محققا للآمال والتطلعات. 

ومثلما جرت العادة، لا تُتداول هذه المواقف المنغلقة المتشددة إلا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتداول فيها بعض الفيديوات والنصوص التي اتخذت من الموقف من احتفالات نهاية العام موضوعا، لتعكس بذلك آراء ورؤى ومواقف مختلفة بعضها لا ينم على أننا مجتمع متسامح، بل ويذهب في التشدد حد التطرف لينسف جهود الدولة في خلق بيئة اجتماعية تتعايش فيها كل الديانات والثقافات تعايشا مستمدا من جينات مجتمعنا البحريني الذي تربى منذ أقدم العصور على التسامح قيمة، وعلى احترام الاختلاف مبدأ، وعلى التنوع عامل قوة وتماسك مجتمعي. شخصيا لدي سؤال ظل يثور في رأسي سنويا في مثل هذا الشهر، وأسمح لنفسي بأن أشرككم في الإجابة عنه، ومنطوق السؤال: هل توجد أطراف مستفيدة من إظهار المجتمعات العربية مجتمعات متطرفة تنبذ الآخر المختلف؟

ما يشد الانتباه في عالمنا العربي والإسلامي هو أن بعض هذه الأحاديث عادة ما تكون خارج المألوف الإنساني، إذ إنها بالعدوانية الظاهرة في سائر تفاصيلها تفضح تفكيرا ينكر على أصحاب الديانات المختلفة الاحتفال وممارسة طقوسهم الاحتفالية والفرح في بلدان مصنفة بلدانا إسلامية. ومن منطلق إنساني صرف أرجو ألا يُفهم الرأي الذي نود طرحه هنا بأن فيه مساسا بالمقدس لا من قريب ولا من بعيد، فرأيي في النهاية -على حد قول الإمام الشافعي- صواب يحتمل الخطأ، والرأي الذي يخالفني ويختلف عني خطأ يحتمل الصواب. 

منحى الأحاديث المتعلقة بموضوعنا وخاصة منها تلك المغلفة بشيء من الأبعاد الإيمانية والعقدية لا يكون ذا أهمية وذا تأثير في المجتمع إلا إذا كان صادرا في شكل فتوى، كأن يحرم شيخ الدين هذا أو ذاك المفتي أن يشارك المسلم شركاءه في الوطن الفرحة بأعياد الميلاد. أقول يشاركهم الفرحة بالتعبير لهم عن أمنياته بهذه المناسبة وليس بمشاركتهم الطقوس، هذا إذا ما كانت هناك طقوس معيّنة تمارس في هذه المناسبة. 

نعم عدد السكان البحرينيين المواطنين من الديانة المسيحية محدود، لكن الأكيد أن المتواجدين على أرض مملكة البحرين من مقيمين وزوار أعدادهم كبيرة، ولهم علينا حق أن نفسح لهم المجال ليمارسوا في حرية تامة طقوسهم في أعيادهم. أفلا توجد هنا في المملكة كنائس ودور عبادة لمختلف الديانات؟! فبمثل ما تبديه الدولة من تسامح واحترام للعقائد المختلفة والديانات المتنوعة من أبسط تجلياته السماح بتشييد دور العبادة لهذه الديانات، علينا كمجتمع أن نتقبل ما يمارس من عادات وتقاليد مرتبطة بهذه الديانات في إطار احترام مقتضيات القانون وعاداتنا وتقاليدنا، وأعتقد أن هذه أبسط مظاهر إدارة الفضاء العام في دولة المواطنة، إذ ليس من المعقول والمنطق أن نتسامح هنا في شيء، ثم ننكر الشيء نفسه هناك!

تندهش عندما تستمع إلى بعضهم، وتحتار في معرفة نوع الحياة التي يسعى هؤلاء إلى بنائها لكي تكون مقبولة عند أبنائهم وأحفادهم. من جميل ما نشأت عليه المجتمعات الإنسانية، ولنأخذ منها المجتمعات العربية، ومنها المجتمع البحريني، أنها وجِدَت متعددة الأعراق والمذاهب والأديان، ومن الأجمل في هذه المجتمعات أن الناس تحرص على ترسيخ المحبة وغرس قيم العيش المشترك لكي تنعم بالاستقرار والأمن. وينبغي أن يكون معلوما أن الإنسان في مجتمعه يكون مجبولا على بناء مجتمع صالح للعيش؛ ليتفرغ لعملية البناء والتنمية، التي هي الركيزة الأساسية للمواطنة الحقة بدلا من المهاترات والجدل العقيم.

 شخصيا لا أعتقد أن من يجعل عقائد الناس وطرائق عبادتهم همه الأكبر قادر على التكيّف والعيش في مجتمع متنوع. ولهذا فإنه من المهم العمل على نشر التسامح في ربوع المجتمعات الإنسانية، علما بأن نشر التسامح ليس بالعملية اليسيرة، إذ يقتضي أن يتم تأهيل رجال دين على درجة عالية من الثقافة والتسامح والقدرة على فهم الآخر المختلف، هذا دون أن نتغافل عن أدوار مؤسسات المجتمع المدني التي تتشارك فيها مع مؤسسات رسمية مثل وزارات التربية والتعليم والإعلام لنشر ثقافة التسامح وتعزيز قيم التسامح والعيش المشترك بتوظيف المتاح من الوسائل تقليدية كانت أم غير تقليدية. 

فبمناسبة كل الأعياد التي يزخر بها شهر ديسمبر، وآخرها «الكريسماس» ورأس السنة، كل عام أنتم بخير، ودامت أعيادنا جميعا فوق ثرى بحرين التنوع والاختلاف الجميل والتسامح الخلاق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا