النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11415 الخميس 9 يوليو 2020 الموافق 18 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

بين كوجيتو ديكارت وأوبونتو مانديلا

رابط مختصر
العدد 11218 الخميس 26 ديسمبر 2019 الموافق 27 ربيع الثاني 1441

في أدغال أفريقيا، في أقصى الجنوب، حيث البدائية في كامل بهائها وبراءتها، حيث الجذور الممتدة في أعماق الأرض تثبت شجرة الحضارة القائمة وتذكر بالحضارات السابقة، وتأمل أن تلحقها حضارات قادمة أكثر رقيًا وأرقى حسًا تجاه الإنسان في كليته التعاونية لا في فرديته الأنانية، كان أحد علماء الأنثروپولوجيا ينتقل من قرية إلى قرية ويجوب الأماكن التي تسكنها جموع بشرية، تعيش في أكواخ متقاربة قليلة لم ترقَ بعد إلى مستوى القرية، وهي تحتضن عائلة أو عشيرة. وهو في تجواله البحثي لفت نظره عدد من الأطفال يلعبون، ويبدو أنّه لاحظ في طريقة لعبهم نمطًا لم يعهده في المدن الكبرى من حيث أتى، فكان هذا محفزًا له لسبر غور هذا الأمر الذي بدا له لغزًا. ففكر في وسيلة لفك رموز اللغز، فهو أمام امتحان يتقصى نتائجه من سلوك هؤلاء الأطفال، فهو يريد بهذا الامتحان أن يستخلص درسًا يضيف علمًا إلى دائرة معارفه الواسعة. أخذ سلة وملأها بأنواع من الفاكهة، ووضع السلة على مسافة من الأطفال تحت شجرة، أراد بهذه الفعلة أن يدخل الأطفال في مسابقة، فأشار إليهم إلى أن الذي يصل أولاَ إلى السلة فإنه سيمتلك لوحده السلة بما حوت من صنوف الفواكه اللذيذة، اصطف الأطفال صفًا واحدًا ومشوا بهدوء يدًا بيد في اتجاه السلة، دون أن يتقدم أحد منهم على الآخر إلى أن وصلوا إلى السلة، فأخذ كل واحد منهم من السلة فاكهة واحدة، فجلسوا معًا يأكلون وينظرون الى بعضهم وأسنانهم ناصعة البياض ترسم ابتسامة البراءة والود معبّرة عن سعادة لا يحلم بها أهل الثروة والجاه في قصور الحضارة. تعجب العالم من هذا السلوك، وتحول العحبُ إعجابًا والإعجاب فضولاً معرفيًا، فقال لهم إنه كان بإمكان أي واحد منهم أن يستحوذ على السلة بكامل ما فيها من فاكهة، فتصير الفاكهة كلها له وحده، لو أن كل واحد منهم جرى بكامل قوته وقدرته ليصل إلى السلة قبل الآخرين. أجابوه بكلمة واحدة، وهي «أوبونتو»، وهم ينظرون إلى العالم بتعجب، وكأنهم يستفسرون في أنفسهم: «ماذا يقول هذا الرجل الأبله؟». «أوبونتو» في ثقافة هؤلاء الأطفال تعني «أنا موجود لأننا موجودون»، وهي نور الهَدْيِ والهداية في نفوس جماعات الزولو في الجغرافيا الجنوببة لقارة أفريقيا، وكلمة «أوبونتو Ubuntu» تحمل كل المعاني التي تنبعث من النفس التواقة إلى سعادة النفس وسعادة الآخرين، وهي ترادف العبارة الآتية في لغة الزولو «Umuntu ngumuntu ngabantu» التي تعني «إن الشخص هو شخص من خلال أشخاص آخرين». للأوبونتو جذور مغروسة في الفلسفة الإنساتية في أفريقيا، وهي تنير فكرة المجتمع في اتجاه الإنسانية المشتركة بمعنى «أنت موجود إذًا أنا موجود»، فوجودي مرتبط بوجودك ووجودك مرتبط بوجودي، وهذا يقتضي منا أن نعيش حياة مشتركة، حياة التعاون الجامع لا حياة الأنانية المشرذمة، فالوجود شرط للوجود ذاته، وإقصاء أي وجود هو إقصاء للوجود في كله، فالجزء والكل مرتبطان في وحدة الوجود، ومن أجل استمرارية الوجود.

إذا أمعنا النظر في كلمة «أوبونتو» المحملة بأرقى المعاني «أنت موجود إذًا أنا موجود»، فإننا أمام عنوان في كلمة، عنوان يخص وجود الإنسان، وهذا العنوان يذكرنا بكلمة أخرى في عنوان يخص وجود الإنسان، ولكن من منظور آخر ومن زمن أسبق. «كوجيتو» الفيلسوف رينيه ديكارت، كلمة في عنوان تعني «أنا أفكر إذًا أنا موجود» (Cogito, erg osum)، ومن أجل أيقنة (أيقونة) التعبير وجعله عنوانًا اكتفى بكلمة (Cogito) اللاتينية التي تعني «أنا أفكر»، وتأسست الكلمة في عنوان، وأضحى العنوان بصمة في الفلسفة وفي الفكر الحر. ديكارت اشترط الوجود بالفكر، والفكر مرتبط بالشك، بمعنى الوجود مرتبط بالوعي، والوعي كاشف لحق الوجود، فمن لا يعي حقه كمن لا وجود له، والحق الذي ابتغاه ديكارت بالشك والفكر والوعي كان لكسر قيود الكنيسة على الإنسان في ذاته ولذاته وحصره بذاته كالجماد الذي لا يفكر، وسلب إرادته وتحريم كيميائية عقله المنتج للفكر بجناحيه الأساسيين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وجعله ببغاءً في قفص يردد ما يُلَقَّنُ من كلمات دون وعي بما يقول، الببغاء موجودة بذاتها تحت رحمة مالكها، وليس في ذاتها وتعي وجودها، ولا لذاتها وتعمل من أجل وجودها.

هناك جدلية تاريخية وفكرية تجمع بين كوجيتو ديكارت الأوروبي وأوبونتو الإنسان الأفريقي، والرابط التاريخي بينهما هو الاستعمار الأوروبي لأفريقيا، والرابط الفكري هو تعريف الوجود في إطار الوعي بالذات ووحدة الذات، وضرورة صيانة كرامة الإنسان وحقوقه، والوقوف بقوة أمام التوجه الأناني الذي يخلّ بميزان الحق ويهدر كرامة الإنسان ويستثمر حالات التشرذم عند الإنسان ويعمل على توطيدها.

بعد أن أزيل سقف القدسية عن فاتيكان الكاثوليكية بفعل الفكر الذي استنبطه أحد رجال الكنيسة، وهو مارتن لوثر، تكشف لعموم الناس بعد خاصتهم أن الفاتيكان ليس صرحًا مقدسًا وأن الذين يتربعون على عرشه البابوي وعلى كراسيه الكهنوتية بشر كبقية الناس، يصيبون ويخطئون، وهم خطائون كالآخرين مثلما قال اليسوع، وانفلت العقل من القيد، وأنار الفكرُ العالمَ بصنوف العلوم والاكتشافات. هذه النقلة الارتقائية، خاصة بمنتجها العلمي والتكنولوجي، فتحت الباب أمام الطموحات الأوروبية لتتخطى حدودها الوطنية وتعبّر إلى بقية قارات العالم بهدف الاستئثار بثرواتها واستعباد شعوبها. وعودة إلى أفريقيا صاحبة العنوان «أوبونتو»، وهذا هو العنوان الذي أصبح شعارًا لكل المناضلين في أفريقيا ضد الاستعمار الأوروبي، إذ من خلال هذا العنوان - الشعار استطاعوا أن يحققوا وحدة الإنسان الأفريقي في وجه التكنولوجيا العسكرية والسياسة الاستعمارية للدول الأوروبية الطامعة في ثروات الشعوب الضعيفة، والأضعف بين القارات كلها كانت شعوب أفريقيا، حتى أنهم أمام الظلم والاستعباد كانوا عاجزين عن استيعاب الذي كان يجري ضدهم رغم آلامهم، كلمة أوبونتو كانت سلاح المناضل الحكيم نيلسون مانديلا في النضال من أجل تحرير أفريقيا، وموعظة القس الفيلسوف ديزموند توتو من أجل نشر روح التسامح وتجنب الممارسات الانتقامية ضد المهزومين في مشاريع النضال ضد الاستعمار وأدواتهم المحلية.

مثلما انفتق الوعي عند الإنسان الأوروبي ضد سطوة الكنيسة الأوروبية، فبعد مائتي عام انفتق الوعي عند الإنسان الأفريقي ضد سطوة الاستعمار الأوروبي، هذا الاستعمار الذي كان هو بذاته نتاج تفتق الوعي ضد سلطة الكنيسة، الوعي الأوروبي ضد الكنيسة أخذ بالعلم الناتج عن الوعي وتنكر للعلوم الإنسانية التي تمخضت من ذات الوعي، فكانت هذه العلوم الإنسانية سندًا داعمًا، مضافًا إلى الثقافات المحلية السائدة عند الشعوب المستعمَرة، ضد الاستعمار الأوروبي.

بعد الكوجيتو انبرت مدارس فلسفية تتناول المُخْرَجَ الفكري للكلمة-العنوان، بعضها بالنقد وبعضها بالنقض والبعض الآخر بالوقوف على الحياد الإيجابي أو السلبي، أما الأوبونتو فكان لها ومازال موقع فوق معادلات الفلسفة وفوق السياسات بألوانها، وحتى الذين لا يستسيغونها يغضّون الطرف عنها حرجًا؛ لأنها كلمة الروح في طهرها الإنساني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها