النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

«عظم الله أجرنا فيهم»

كارثة اللغة العربية مرة أخرى..

رابط مختصر
العدد 11217 الأربعاء 25 ديسمبر 2019 الموافق 26 ربيع الثاني 1441

قال الصديق:

خلال بحثي في موضوع تدهور منزلة اللغة العربية ومكانتها بين أبنائها وفي العالم، والتحديات التي توجهها، ظهر لي عبر الفضاء الالكتروني أكثر من 200 موضوع وبحث ودراسة، اكتشفت أن 80% منها تقريبًا قد كتبت من منطلق ديني محافظ، وليس من منطق لغوي أو علمي أو ثقافي - اجتماعي. حيث تنظر أغلب تلك المقاربات ينظر إلى اللغة العربية، من حيث هي لغة القرآن، وأن أي «مساس بها هو مساس بالقرآن الكريم ذاته». وتدور أغلب تلك الكتابات المتشابهة حول عدد من الأفكار المكررة:

- أولاً: أن هنالك (مؤامرة على اللغة العربية) وهي في ذات الوقت (مؤامرة على الإسلام).

- ثانيًا: أن الغرب يقود هذه المؤامرة (لتدمير اللغة العربية) بهدف الإساءة إلى القرآن الكريم. وأن المؤامرة على الفصحى «موجهة أساسًا ضد القرآن الكريم.».

- ثالثًا: أن أي دعوة لتطوير استخدام اللغة العربية هي «في الأساس بدعة، فالمصطلح خادع وماكر وسيء النية». وقد خصص الكاتب أبو نصر محمد بن عبد الله الإمام على سبيل المثال كتابًا كاملا لهذا الموضوع بعنوان (المؤامرة الغربية على اللغة العربية - صنعاء اليمن الطبعة الأولى 2009م).

ولا شك إن مثل هذه المقاربة بعيدة في تقديري كل البعد عن جوهر الإشكالية، بل إنها تسهم في تزييف الوعي. فاللغة العربية كائن حي، لا نسهم كعرب في تطويره ولا في إثرائه مع إننا مثلما يقول طه حسين: نملكها كما كان القدماء يملكونها ولنا أن نضيف إليها من ألفاظ ومصطلحات وصياغات لم تكن مستخدمة من قبل.

قلت للصديق:

من المؤسف أن يتم تعويم هذا الموضوع من خلال الإحالة على الخارج وعلى الأعداء كالعادة (الغرب والصهيونية والماسونية و.. و..)، في حين نتجاهل مسؤوليتنا كعرب، على ما آل إليه وضعنا العام، وما تعرضت له اللغة العربية من تراجع منزلتها في الحياة وفي الاستخدام، بما يعكس ضعف مكانتنا الحضارية، وفعلنا في الحضارة الإنسانية الحديثة بعامة. فاللغة كائن حي بالفعل ينمو ويتطور ويتراجع ويضمر وفقًا لمعطيات موضوعية موجودة في الواقع. فعندما كان المولد الحضاري العربي يعمل بفاعلية، كان الإنتاج المعرفي العربي كبيرًا ومؤثرًا في العالم، وكانت اللغة العربية لغة عالمية، تسعى الشعوب الأخرى إلى تعلمها والترجمة منه وإليها، أما اليوم وقد تعطل على المولد فأصبح إنتاجها المعرفي هزيلاً. وانعكس ذلك على اللغة ومنزلتها حتى بين الناطقين بها.

بغض النظر عن هذا البعد الحضاري العام، فإن المسألة ترتبط أيضا باستهتارنا واستخفافنا كعرب بلغتنا، وعدم تقديرها لها، وعدم تشرف الآلاف المؤلفة من أبناء هذا الجيل حتى بالتكلم بها. سواء على الصعيد العائلي أو الاجتماعي أو حتى التعليمي والإعلامي. فقد أصبحنا، وللأسف الشديد، نجد من يقدم الدرس في الصف باللهجة العامية، كما نجد من المذيعين في العديد من الفضائيات العربية - وبعضها رسمية تمثل الدول والحكومات-فنجد من يقرأ النشرات الرسمية بـ(لغة) مهلهلة ولحن واضح مستفز، حتى أنني أصبحت أعتقد أنه قد يكون من الأفضل أن تقرأ هذه النشرات باللهجة العامية وننهي هذه المهزلة، من دون أن يكون هنالك أي مبرر لهذا التبسيط المسكين، ولا لهذا الهبوط إلى الدرك الأسفل في الاستهتار باللغة الفصحى التي يبدو أننا لم نعد نفتخر باستخدامها أو نعتز بها كجزء لا يتجزأ من هويتنا وكحامل لثقافتنا.

قال الصديق:

المشكلة يا صديقي مركبة من أكثر من عنوان: أن اختيار من يتصدون لهذه الرسالة لا يكون دائما على أسس موضوعية، وإنما يقوم في الغالب على اعتبارات شكلية أو وراثية في بعض الأحيان. ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن المسألة تتحول إلى فوضى مؤذية. فالعديد من المذيعين والمذيعات لا يمتلكون من المؤهلات الإعلامية أو الإعلامية أو الثقافية أو اللغوية ما يكفي للتصدي إلى هذا العمل. بعضهم وبعضهن هم مجرد صور بلا حياة، ومن دون إبداع، ومن دون روح.

قلت للصديق:

حتى لا نظلم هؤلاء وغيرهم في قطاعات ومواقع أخرى، فإن المسألة كما أشرت في البداية تتجاوز هذا المعطى إلى عناصر أخرى عديدة أخرى، يتعلق بعضها بالمنزلة المتدنية التي تحتلها هذه اللغة في الضمائر والقلوب، وبعدم قدرة أبنائها على مراجعتها وتطويرها، بما يجعلها تواكب متطلبات العصر وتفرض نفسها، وأشياء أخرى يطول شرحها. ويكفي هنا أن نذكّر بأن اللغة العبرية قد أمكن إحياؤها بعد أكثر من 1600 سنة من الغياب على ساحة الاستخدام، فعادت هذه اللغة المشتتة الميتة والفقيرة، من حيث المفردات إلى الحياة في شكل لغة عبرية حديثة منذ مطلع القرن 20، تختلف عن العبرية القديمة، وهذا طبعًا يعود إلى وجود إرادة سياسية قومية تحديدًا، ورغبة ملحة في فرض الوجود (كقومية وكديانة معًا)، وهذا ما حمى هذه اللغة من الانقراض الأبدي وساعدها على الانبعاث بالدرجة الأولى. وهكذا تمكّن الإسرائيليون، بفضل إرادتهم، وجهود علمائهم ولغوييهم خاصة، وإيمان الناس بأن اللغة أساس الهوية القومية، من إحياء لغتهم المنقرضة منذ قديم الزمان، حتى أُعلِنت اللغة العبرية لغةً رسمية، وهي اليوم لغة البيت والشارع والمدرسة ووسائل الإعلام وجميع مظاهر الحياة في المجتمع الإسرائيلي، بعد أن ظلت لقرون عديدة لغة ميتة غير مستخدمة. أما الوضع عندنا فهو يكاد يسير في الاتجاه العكسي تمامًا: لغة حية تتجه الى الاندثار في الحياة والاستخدام اليومي، وحتى الرسمي. فانظر مثلاً إلى هؤلاء الشباب الذين يفترض أن تكون ألسنتهم عربية، على الأقل في حدها الأدنى، لأنا لغتهم الأم بداية، ولأنهم درسوا بها -ضمن متطلبات الهوية الوطنية- عندما تستمع إليهم وهم يتحدثون في مقاهيهم وجلساتهم العامة والخاصة، لا يتشرفون على ما يبدو بالحديث بهذه اللغة، لأنهم يرونها «غير مفيدة أو ثقيلة على اللسان»، ويصيبهم نوع من الاحتباس اللغوي وهم ينطقون أسماءهم بها. فما بالك بعبارات بسيطة من نوع: «صباح الخير، ومساء الخير، ودوام الحال.». ولذلك، فليس أمامنا إلا أن نطلب من الله تعالى أن نعظم أجرنا فيهم، فهم لا يفرقون بين الخبزة والكسرة، ولا بين الدقيق والسميد، ولا يبدو أنهم استخدموا في حياتهم جملة فعلية ذات معنى!

همس

أخشى أن أموت،

قبل أن يسكن الشوق

غرفته الأخيرة،

ألا أطير

مع الغيمة البيضاء.

أخاف ألا نلتقي

في السماء السابعة

مثلما وعدونا.

الانتظار يخنقني

لا يأتي، ولا ينتهي.

أحب أن أطير،

أن اكون

بين القلب والعين،

أن تكوني

بيني وبيني

كل صباح وفي الحلم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها