النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11691 الأحد 11 ابريل 2021 الموافق 28 شعبان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:58AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:59PM
  • العشاء
    7:29PM

كتاب الايام

سوق المباركية!!

رابط مختصر
العدد 11217 الأربعاء 25 ديسمبر 2019 الموافق 26 ربيع الثاني 1441

 حسمت أمري واتخذت قراري بعد تردد فرضه عليّ انتظار موعد ولادة «سعود» حفيدي الثاني، الذي تداخل موعد قدومه مع تاريخ سفري، ولكن لحسن الطالع حانت لحظة ظهوره إلى نور الحياة قبل سفري بيوم واحد، فقررت مرافقة أصدقاء لي في السفر نهاية الأسبوع الماضي إلى دولة الكويت التي لها في قلوب البحرينيين معزة خاصة؛ لقضاء ثلاث ليال. ثلاث ليالٍ كانت كافية لمشاهدة هذه البلاد والتنقل بين مناطقها والتجول في أسواقها ومقاهيها القديمة، والتبضع في متاجرها و«مولاتها» الحديثة الجذابة. فسوق الكويت كبيرة ورحبة ومغرية وتحتوي على جديد السلع وقديمها. 

 وعند الحديث عن سوق الكويت لا يمكن تجاوز سوق المباركية، هذا السوق الذي يمتد به العمر، كما يقول الكويتيون، إلى أكثر من 250 عامًا؛ ليكون معلمًا مهمًا من معالم الكويت القديمة. كنا نرتاد هذا السوق على مدى الأيام الثلاثة من دون أن يتردد أي واحد منا أو يبدي اكتفاءً بما شاهده، وكأننا كنا نستمرئ مشاهدة صفحة من ماضي الكويت العتيد تتجلى أمامنا لتدفعنا إلى الاعتزاز بتاريخنا الخليجي العامر. وكما لا يجوز أن تزور الكويت من دون التجوال في سوقها، فلا يجوز كذلك أن تترك الكويت من دون أن تزور مول «الأفنيوز» الحديث الضخم الذي يُعد واحدًا من أهم «مولات» الشرق الأوسط، وبهذا تجمع في زيارتك المعلمين بين صورتين متكاملتين عن الكويت ماضيًا مجيدًا وحاضرًا متميزًا، فهذان المعلمان يتشاركان معًا اجتذاب أي زائر لارتيادهما، ورغم أن مول «الأفنيوز» مبني على أحدث الطرازات المعمارية وعامر باحتوائه أرقى الماركات والعلامات التجارية والمطاعم والمقاهي الحديثة، فإن سوق المباركية الذي يلقى العناية التامة كي يبقى معلمًا تراثيًا مقامًا على أقدم الطرازات الكويتية التراثية محتويًا بضائع وسلعًا تعكس جزءًا كبيرًا من هوية الشعب الكويت، يبقى له سحر خاص وألق عجيب يمنحه جاذبية خاصة زادها ولع الأشقاء الكويتيين بالتراث جمالاً على جمال، فحيثما وليت وجهك في أرجاء السوق تجد الرموز التراثية حاضرة في كل الأنشطة والفعاليات.

 زرت الكويت مرات عديدة ولم يُتح لي أن أزور مول «الأفنيوز»، ولكني في هذه المرة لم أفرط في زيارته واستمتعت بمشاهدة روعة الفن الهندسي المعماري المثير الذي أحكم استغلال مساحة من الأرض شاسعة حولت هذا المجمع التجاري إلى علامة من علامات الكويت الحديثة. وعلى أية حال فإن هذا «المول» ليس موضوعًا لهذه المقالة، إن هي إلا خواطر محب للكويت أردتكم أن تتقاسموها معي، إذ أن تركيزي منصب في هذا المقال على سوق المباركية المدهش حقًا. الزيارة الأولى للسوق لا تقارن بالزيارة الأخيرة، حيث إن مرات ارتيادي وأصدقائي لهذه السوق عديدة وفي كل مرة نمضي ما لا يقل عن أربع ساعات أو خمس تمر سريعة من دون أن ننتبه إلى عقارب الساعة تدعونا إلى شيء من الراحة أو إلى تغيير المسار إلى معلم آخر من معالم الكويت، كانت كل زيارة فرصة لنخوض في عالم السوق ونأخذ في تفحص تفاصيل طرقاته وأسماء رواد مؤسسيه من التجار القدماء، ففي كل طريق ملمح من ملامح ماضٍ مجيد ينبعث أمامك ويدعوك إلى الاعتزاز بانتمائك إلى محيط جغرافي كل ما فيه يشهد أن الخليج العربي واحد وإن تعددت فيه الدول. سوق المباركية قديمة عريقة معتّقة ولكنها ليست عشوائية، فكل ما فيها محكم التنظيم، وكل تفاصيل هندسة المكان فيها تشهد بعقل جبار أحكم تسطير فضائه الحيوي ونجح في ترويض قساوة المناخ بل وحولها إلى مصدر من مصادر الكسب والرزق. وهذا التنظيم القديم المحكم زادته صرامة موظفي البلدية في متابعتهم المخالفين من باعة ومرتادين دقة وانتظاما وجمالاً، وهذا ما شاهدناه بالعين يمارسه موظفو البلدية.

 ما لفت انتباهي من الملاحظات التي يمكن ذكرها هنا بعد الزيارة الأخيرة، هو أن سوق المباركية تم تطويرها بشكل كبير، ولعل حجمها قد تضاعف عما كانت عليه قبل سنوات، والعناية بنظافة هذه السوق وتنظيمها ظاهرة وملحوظة، ومتاجرها عامرة بالزبائن ولم أشهد حقيقة دكانًا من دكاكينها شاغرًا، أو هجره صاحبه، تاجرًا كان أو مستثمرًا. المقاهي التقليدية عامرة بمرتاديها، والمطاعم ذات الطابع الشعبي ملأى بالزبائن. كل الدكاكين عامرة بالباعة والمشترين، وحركة السوق دؤوبة وقائمة على قدم وساق تشهد بحركية اقتصادية قوية، وبحيوية ثقافة الاستهلاك في المجتمع الكويتي. فبارك اللهم للكويت وزد نعمة الرخاء على هذه البلاد الجميلة بشعبها وبحكومتها. 

 أدرك أن الكثيرين من البحرينيين الذين أُتيحت لهم زيارة دولة الكويت لم تفتهم زيارة المعلمين التجاريين المذكورين. وحتمًا إنهم قد لمسوا عناية الدولة الكويتية بالتراث المادي من خلال سوق المباركية، وحرصها على مواكبة الحديث من خلال «مول» الأفنيوز. وحتما سيدركون منطقية الاهتمام الذي توليه رئيسة هيئة الثقافة والتراث معالي الشيخة مي بنت محمد آل خليفة لمعالم البحرين القديمة وعملها الدؤوب على المحافظة على الموروث المادي وتطويره ومن مكونات هذا التراث العزيز الحبيب إلى نفوسنا سوق باب البحرين العتيد الذي كم أتمنى أن تتواصل فيه عمليات التطوير حتى تشمل كامل منطقة السوق القديمة، حتى يجمع بين عبق الماضي وسحره وجمال الحاضر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها