النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

إندونيسيا ما بين قوى التحديث وقوى التخلف

رابط مختصر
العدد 11216 الثلاثاء 24 ديسمبر 2019 الموافق 25 ربيع الثاني 1441

كان الاعتقاد السائد في إندونيسيا أن مشاكل البلاد تكمن في الديكتاتورية السوهارتية، بمعنى أنّ التخلص منها سوف يفتح الأبواب أمام الارتقاء والنهوض. نسي أصحاب هذا الرأي أن دول الشرق الأقصى ــ باستثناء اليابان ــ حققت نهضتها المشهودة في ظل أنظمة حكم ديكتاتورية تراوحت ما بين عسكرية قمعية (كوريا الجنوبية) ومدنية رحيمة (سنغافورة). كما غاب عنهم أن السوهارتية نجحت خلال 30 عامًا من القبضة الحديدية في خلق ما يسمى بالدولة العميقة التي لا يمكن التخلص من رموزها وآثارها بين ليلة وضحاها، بدليل أن مشاكل البلاد لا زالت باقية على حالها ــ بل في حالة تفاقم ــ رغم تبدل الحكومات والوجوه السياسية عدة مرات خلال العقدين الماضيين.

اليوم، وبعد مرور نحو عقدين من سقوط نظام الجنرال سوهارتو، تواصل أندونيسيا تجربتها الديمقراطية التي كان آخر شواهدها الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أبريل من العام الجاري والتي منح فيها الشعب صوته مجددا للرئيس «جوكو ويدودو» كي يحكم لفترة رئاسية ثانية تنتهي في العام 2024. 

ومن نافلة القول أنّ ويدودو يواجه تحديات جمة في سبيل بلوغ الأهداف التي وضعها لبلاده وعلى رأسها تحقيق نمو اقتصادي لا يقل عن 7 بالمائة، وضرب أوجه الفساد والمحسوبية المتوارثة من عقود سابقة، وإحداث إصلاحات جذرية في الجهاز البيروقراطي المنيع، ومعه الجهاز القضائي المخترق من ذوي النفوذ، وهما جهازان ما برحا يقفان عائقًا أمام تحقيق قفزات اقتصادية مشابهة لتلك التي حققتها الدول الآسيوية المجاورة لأندونيسيا.

 

 

وإذا كانت هذه الأهداف معلنة ويجرى الحديث عنها على رؤوس الأشهاد من غير مؤاربة، بل يسعى الرئيس إلى تنفيذها من خلال إحاطة نفسه بمجموعة من الشباب من ذوي الكفاءات العلمية والخبرات العملية في مجالي الابتكار والتطوير والثورة الرقمية (على نحو ما حدث مؤخرًا حينما سمى 12 من الشباب الموهوبين ممن تراوحت أعمارهم ما بين 25 و35 سنة ليكونوا ضمن فريقه الاستشاري، وأردف قراره بإطلاق تغريدة قال فيها إنه سيجتمع بهم كل يوم إن دعت الحاجة وليس كل شهر، إضافة إلى منحه 18 حقيبة وزارية في حكومته الجديدة المؤلفة من 34 وزيرًا لشخصيات جديدة غير تقليدية)، فإن الحديث عن ضرب قوى التشدد والتطرف، يجري بحذر شديد نظرًا لحساسية الموضوع في مجتمع يمكن وصفه بالمؤدلج كنتيجة لتغول بعض القوى الدينية في مفاصله الحيوية منذ تدشين عملية التحول الديمقراطي والسماح بالحريات السياسية بعد سقوط نظام الديكتاتور سوهارتو في عام 1998.

الأمر الآخر المُحبط لخطط الرئيس ويدودو هو أنه في الوقت الذي قرر فيه الرجل الاعتماد في خططه الإصلاحية على القوى الشبابية المؤهلة الصاعدة، قرر فيه نائبه «معروف أمين» المحسوب على التيار الإسلامي (يشغل إلى جانب منصب نائب رئيس الجمهورية رئاسة أعلى هيئة دينية في البلاد ممثلة بجمعية العلماء الأندونيسيين) إحاطة نفسه بفريق عمل مضاد مكون من الساسة القدامى التقليديين من بقايا الحقب السياسية السابقة لضمان ديمومة مصالح فئوية. وغني عن القول إنّ هذا المنحى لا يترك لويدودو فرصة للتقدم خطوة في مشروعه التحديثي الهادف إلى الارتقاء بأندونيسيا ولو بصورة نسبية.

يعرف ويدودو يقينًا أن نجاحه في فترته الرئاسية الثانية يعتمد كثيرًا على التخلص من آفة التشدد والتطرف التي أبتليت بها إندونيسيا منذ انتهاء حرب الجهاد في أفغانستان وعودة من ذهب من مواطنيه إلى تلك الديار، ثم عاد ليروج لأفكار ومفاهيم لم تكن شائعة على نطاق واسع في الأرخبيل الإندونيسي. ويعرف أيضا أن تلك المفاهيم تشكل معضلة وعائقًا أمام استتباب الأمن والاستقرار في بلاده، وبالتالي يضر بصورة إندونيسيا كملاذٍ آمن للاستثمارات الأجنبية ومصدر جذب سياحي، خصوصًا في ظل التقارير القائلة بأن مخلفات تنظيم داعش وأخواته تنظر إلى منطقة جنوب شرق آسيا ــ تحديدًا إندونيسيا بسبب طبيعتها الجغرافية ــ كمكان جديد لنقل أنشطتها التخريبية. 

ومن هنا يمكن معرفة دوافع قرار ويدودو مؤخرًا بتعيين عدد من الرموز العسكرية والأمنية القديمة في حكومته من أمثال منافسه في آخر انتخابين رئاسيين الجنرال المتقاعد «بروباو سوبيانتو» صهر سوهارتو السابق وقائد قواته الأمنية الخاصة كوزير للدفاع، ناهيك عن استدعاء كل من الجنرال المتقاعد «فخرالله راضي» والرئيس السابق لجهاز الشرطة «تيتو كارانافيان» وتعيينهما كوزير لشؤون الأديان ووزير للداخلية على التوالي.

والحال أنه يمكن اعتبار الحالة الإندونيسية هذه حالة نموذجية للصراع ما بين قوى التحديث والبناء التي يقودها ويدودو، والقوى المتشددة المتمسكة بأيديولوجيات عفى عليها الزمن. ولعل الأيام المقبلة ستثبت إنْ كانت الفئات الشبابية المتعلمة والمدعومة من الرئيس قادرة على تنفيذ طموحاته وبرامجه والوقوف في وجه رموز التيار الديناصوري العتيق ومعهم وزراء الحكومة العواجيز، أم لا؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها