النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11376 الأحد 31 مايو 2020 الموافق 8 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:56PM

كتاب الايام

الشباب لم يخيب ظني

رابط مختصر
العدد 11213 السبت 21 ديسمبر 2019 الموافق 22 ربيع الثاني 1441

كلما أمعنت النظر بانتفاضة الشباب العراقي واللبناني حاليًا أدركت أن الجيل العربي الجديد قد تحرر من براثن الطائفية والعرقية والإثنية، وأدرك تمامًا وبشكل واقعي مكانته وإمكاناته، ورسم طريقًا واضحًا لمستقبل وطنه بعيدًا عن أي نوع من أنواع المحاصصة والفساد.

لقد أدرك هؤلاء الشباب المنتفضين أن الخلاف ليس سُنِّيًا شيعيًا على الإطلاق، فها هم ملالي إيران يضعون أيديهم في أيدي «مشايخ تركيا الأردوغانية» ويتبادلون النفط والأموال والمصالح الاقتصادية، ليس بشكل ثنائي فقط، وإنما يُنسِّقون مصالحهم المشتركة في كثير من المناطق والدول.

نهب الإيرانيون خيرات العراق العظيم تحت ستار الأخوة في الدين والمذهب، وفتحوا حدود العراق أمام الملايين من شعبهم لزيارة المراقد الدينية حتى دون دفع رسم فيزا الدخول، وعاثت ميليشياتهم الطائفية فسادًا في هذا البلد العروبي، وسيطرت الأحزاب المدعومة من قِبَلهم على خيراته.

الأتراك أيضًا نهبوا مصانع النسيج وغيرها من مصانع مدينة حلب السورية، حتى أنهم سرقوا سكة الحديد في الشمال السوري، ونقلوها إلى غازي عنتاب، أو على الأقل سهَّلوا القيام بتلك السرقات وفتحوا حدودهم لها، أو لم يمنعوها على الأقل، وها هو جيشهم يحتل مناطق واسعة شمالي سوريا بدعوة فرض منطقة آمنة.

إن أكثر ما يغيظني، بل ويحزنني، عندما أرى سياسيين ومحللين وعاملين في دوائر صنع القرار العالمي يؤكدون أن الحديث حول حاضر ومستقبل منطقتنا العربية إنما يتقرر خلال اجتماعات ونقاشات ثنائية أو جماعية بين روحاني وأردوغان وبوتين وترامب وساركوزي وميركل وغيرهم، وليس من قلنا نحن أصحاب هذه الأرض. إنه شعور فتاة ضعيفة ذليلة مغتصبة مكسورة تستمع من خلف حجاب لرجال القبلية الذين يبحثون في مصيرها.

لست هنا بصدد مناقشة الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الحالة المزرية من الضعف والانحطاط و«قلِّة القيمة والقدر» بين الأمم، رغم امتلاكنا لإمكانات بشرية ومادية وجغرافية واقتصادية هائلة، بل وهائلة جدًا، وتفوق بأضعاف ما تملكه الدول التي تعبث بحاضرنا ومصيرنا، ولكن خلافاتنا البينية كعرب، وعدم امتلاكنا لمشروع جامع نخلص له، هو أحد تلك الأسباب، إضافة إلى قلة ثقتنا بأنفسنا وإمكانياتنا، ربما يكون من بين تلك الأسباب.

من بين الأسباب أيضا هو أن تاريخنا العربي والإسلامي حافل بالإنجازات الحضارية في العمارة والأدب والترجمة والتجارة، ولا زلنا نصر على استحضار قصص حروب داحس والغبراء ومقتل جساس وجرائم الحجاج والعلاج ببول الإبل! 

عندما نسرد لأبنائنا سير أجدادهم، نركز دائما على كل ما هو محفز وإيجابي وبارز على صعيد الإنجازات، بل ونلجأ أحيانا إلى تضخيم منجزاتهم حتى لو كانت موقفًا مشرفًا أو عادة يومية حميدة، ونخفي أية تصرفات أو مواقف أو أعمال سلبية قاموا بها في حياتهم.

لكن لماذا عندما يستمع أبناؤنا إلى تاريخنا العربي والإسلامي من خلال المسلسلات والكتب والإعلام لا يرون سوى السطو على القوافل التجارية والحروب الدينية والطائفية والخيانة وسفك الدماء للحصول على السلطة؟. أنا في الواقع لا أنكر أن هذه الأمور موجودة في تاريخ أمتنا، لكنها موجودة أيضًا في تاريخ كل الأمم.

يجب أن نعترف أن جيلنا فشل في تحقيق شيء عظيم لهذه الأمة، بعد أن فتحنا أعيننا على نكبة فلسطين 1948، ونكسة 1967، مرورًا بغزو الكويت، وسقوط بغداد، وصولا إلى الخريف العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا، إضافة إلى التراجع الكبير في الثقافة والعلوم، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع معدلات الهجرة، وغير ذلك الكثير.

كنا نعيش زمن الأكاذيب أو المصطلحات الكبرى، كالاستعمار والرأسمالية والاشتراكية وعدم الانحياز، وأنه «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، و«المدفع بدلا من الزبدة»، و«شد الأحزمة على البطون»، وتقسيم المنطقة إلى أنظمة رجعية وأخرى تقدمية، لكن اتضح فيما بعد أن الجنرالات الذين أمسكوا بزمام السلطة مثل القذافي وصدام حسين وحافظ الأسد وعلي عبدالله صالح هم أبعد ما يكون عن تحقيق التنمية والرفاه لدولهم، أو حتى تحقيق نصر عسكري خارجي.

لكل ذلك اعتقد أنه يجب أن نترك لأبنائنا حرية بناء مستقبلهم دون أي خوف أو تدخل من قبلنا، فهم في عصر الانترنت والمعرفة والتحرر من الأكاذيب والأحلام الكبرى، ويصعب تقبلهم لفكرة دون فهم أو محاكمة، ويظهرون وعيًا كبيرًا لمصلحتهم، وقدرة على بناء مستقبل وطنهم.

ربما نعيش مع انتفاضة الشباب العراقي واللبناني ضد المرجعيات والأحزاب الدينية، وطلبا للتنمية، ما عاشته أوروبا في نهاية مراحل العصور الوسطى، عندما وضعت حدا للحروب الدينية، وأدركت أن المستقبل يقوم على التعايش والتسامح وتقبل الإنسان لأخيه الإنسان كإنسان بعيدًا عن أية اعتبارات أخرى، وأرى أنه في منطقتنا أيضا لم تعد سطوة الملالي أو رجال الدين اليوم قوية كما كانت عليه قبل ظهور المحطات الفضائية واليوتيوب، كما بات الناس، وخاصة شريحة الشباب، قادرين أكثر على اختيار من يمثلهم من أصحاب البرامج التنموية، لذلك أنا أكثر تفاؤلًا بمستقبلنا.

 

 * رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها