النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

شقة الأعظمية!!

رابط مختصر
العدد 11212 الجمعة 20 ديسمبر 2019 الموافق 21 ربيع الثاني 1441

عند شروعي في كتابة مقال اليوم وجدت نفسي فجأة في «حيص بيص» الاختيار بين موضوعين اثنين، بين أن أواصل الكتابة في الشأن العراقي، أو أن أتأنى انتظارًا لما يمكن أن تنجلي عنه صور دم الشباب العراقي النازف هناك منذ أكثر من شهرين خصوصًا وأن هناك حقائق مستجدة يجسدها الثّوار على الأرض مثل استقالة الحكومة التي يرأسها عادل عبدالمهدي الذي لم يستطع منع قتل الثّوار، كما أن الحديث يجري في هذه الأيام عن انتخابات نيابية مبكرة بقانون انتخابات جديد، فاخترت التأني لأستحضر من الذاكرة صورًا ومشاهد تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، مع الوعد بالعودة إلى هذا الشأن مرة أخرى.

 الحديث عن العراق من خارج سياقات العنف الممارس ضد الثوار فيها، الذين بإصرارهم على إحداث التغيير لوضع حد لتسلط طبقة سياسية فاسدة تؤثر مصلحة الملالي في إيران على المصلحة الوطنية، مغرٍ بالنسبة إليّ وذي نكهة خاصة. وعلى عكس ما هو عليه العراق اليوم من مكان يرعى الإرهابيين البحرينيين ويتعهدهم بالتدريب والتسليح بهدف تقويض السلم الأهلي في المجتمع البحريني، فإن هذا العراق كان في فترة ما من سبعينيات القرن العشرين قبلة لكثير من طلبة المهجر الأكاديمي لطلبة البحرين في الاتحاد السوفيتي يستقبلون فيه أهاليهم ويمضون أشهرَ في ربوع العراق العربي، وقد كنت واحدًا من الذين أمضوا أشهرَ في العراق. 

 والحديث هنا لا يدور عن العراق كبلد عصفت به المشكلات من طبقة سياسية صُنعت في أمريكا وإيران وإنما عن جزء فيه، عن مدينة «الأعظمية» العراقية التي تسمى مدينة الإمام الأعظم، وهي منطقة تضج بالحركة جميلة بتعدد مكوناتها وتعايشهم مع بعض، وهنا أتحدث عنها في سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت مرفأ بالنسبة لنا نحن الطلبة الدارسين في الاتحاد السوفيتي السابق والدول الاشتراكية الأخرى السابقة أيضًا بعد بيروت التي كانت رحى الحرب الأهلية تشتعل بوقود الأحزاب السياسية الطائفية المتصارعة هناك.

 تقع مدينة الأعظمية على مقربة من نهر دجلة وتتداخل مع العاصمة بغداد، وتضم معالم وآثار إسلامية لعل من أشهرها جامع الإمام الأعظم والمقبرة الملكية. لنا في هذه المدينة أصدقاء عراقيون لا نعرف أين هو اليوم موقعهم، الجغرافي والانتمائي، في خضم الأحداث. وحقيقة لا أعلم إن كانت هذه المدينة ضمن المناطق التي يجتاحها اليوم عنف طبقة الحكم العراقية الفاسدة وميليشياتها أم لا، ولكني أقدر بأنها من ضمن المدن التي تتعاطف جدًا مع ما يجري في الساحات ضد الشباب الثائر شأنها في ذلك شأن المحافظات والمناطق السنية الأخرى التي يمنعها مشاركة الثوار حراكهم الوضع المذهبي الطائفي المتأزم والذي تتصيد فيه أحزاب الإسلام السياسي الشيعية المرتبطة بإيران تحديدًا لوصم الحراك بأنه صنيعة حزب البعث أو أنه مدعوم من أمريكا أو دول سنيّة. منطقة الأعظمية هذه كانت المنطقة السكنية لطلبة البحرين الدارسين في العاصمة بغداد.

 منطقة الأعظمية كانت مستقرًا للطلبة البحرينيين الدارسين في جامعات بغداد. في هذه المنطقة تكثفت الذكريات واستجمعتُ مشاهدها التي تراكمت على مدى العطل الدراسية لسنوات متتالية. أحد هذه المشاهد الفارقة المحفورة في الذاكرة وتعود إلى أواخر العام 1979 أو بدايات الثمانين عندما كانت غيوم الحرب تتجمع في سماء الخليج العربي بين العراق وإيران، هذه الإيران التي تصول وتجول اليوم في العراق بالعرض والطول وتقرر مصير هذه البلاد العربية وفق مصالحها، وهي الحرب التي كسر الجيش العربي العراقي شوكة الغطرسة الإيرانية الولائية وسميت فيما بعد حرب الثماني سنوات، أو الحرب العراقية الإيرانية وقد كانت أطول حرب في القرن العشرين وحصدت مليون قتيل، ناهيك عن الأعداد الكبيرة من الجرحى والمفقودين والأسرى.

 في الأغلب الأعم يتوزع طلبة الاتحاد السوفيتي القادمون إلى العراق في العطلة الصيفية بين شقتين لطلبة بحرينيين من انتمائين فكريين مختلفين، وما كان ذاك الاختلاف يشكل سوى اختلاف في الروئ وليس اصطفافًا طائفيًا كالذي شهدناه في عام 2011 وفي السنوات القليلة التي أعقبته عندما كان الاستقطاب الطائفي على أشده. كنت واحدًا من الطلبة الذين يقصدون إحدى هاتين الشقتين في كل إجازة أكاديمية. وعلى الرغم من الأوقات الجميلة التي كنا فيها نمضيها في استقبال أهالينا وأحبتنا هناك، وهي أوقات تغري حقيقة بكتابة قصص على شاكلة رواية «شقة الحرية» للراحل غازي القصيبي أو مسلسل «دفعة القاهرة» الذي تم عرضه في شهر رمضان الماضي، شهدت بعضها وعايشت أخرى، وبعضها أُتيح لها الحياة لتنمو وتتشكل من بعدها أسر وبعضها الآخر انتهت من دون أن تترك جروحًا. وبالنسبة إليّ لم تكن كل الأوقات التي أمضيتها هناك وردية؛ ذلك أن من أكثر الأخبار حزنًا على قلبي هو تلقي نبأ وفاة شقيقتي ليلى وهي طالبة في المرحلة الإعدادية في عام 1977، وقد جاءني والدي رحمه الله محملاً بثقل أحزان الدينا كلها ليبلغني بالخبر ويواسيني.

 في منطقة أو مدينة الأعظمية بنينا علاقات إنسانية جميلة لا تنسى مع من كنا نلتقيهم هناك من طلبة البحرين، وهناك منهم من عمق الإحساس لدينا بإنسانية الإنسان من خلال ما كانوا يقدمونه من كرم الوفادة والاحتضان، لا لشيء إلا كون الوافد إليهم بحرينيًا. أعوام كثيرة مرت منذ السبعينيات، وقد تكون هذه المدة الطويلة قد مسحت كثيرًا من المشاهد والصور، إلا أني لن أنسى أبدًا صورة الصديقة والزميلة فيما بعد، الخلوقة التي لا تفارق البسمة محياها مراتب القفاص رحمها الله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا