النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11278 الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

بين علوم المستقبل و«علوم السخافة»

العجز والخوف أمام الآتي المجهول!

رابط مختصر
العدد 11210 الأربعاء 18 ديسمبر 2019 الموافق 19 ربيع الثاني 1441

لعبة الزمن معقدة والمستقبل فيها عقدة محكمة التهيئة، هكذا اندفع السحرة والعلماء والأدباء والشعراء والمشعوذون ورجال السياسة والدين والديماغوجيون والأخلاقيون والفلاسفة، وأرهاط من العامة للتخصص في مراودة هذا الجسم الزمني الزئبقي؛ رغبة في التحكم والترويض وأملا في اقتحام وفك الطلاسم خارج هذا الخليط المندفع، حيث كان سلم الزمن يرتبط بالحاضر المشاهد بالعيان واستحضار الماضي للاعتبار، وكان المستقبل «في علم الغيب» وليس من مفردات البحث والعلم والتقصي، وان كان له وجود فهو في حدود التنجيم.

واليوم، وفي لحظة سيطرة العلوم على «التحسبات» والحسابات وعلوم الإحصاء والتوقع والتنبؤ العلمي، أضيف المستقبل إلى سلسلة القياسات الحضارية التي تنشطر الأمم على أساسها وتفرز وتتحدد على ضوئها علامات التقدم والوهن والحداثة والقدم، ليلتصق الاشتغال بالمستقبل بهموم حضارية تميز المناطق الحيوية التنموية عن مناطق العطالة والتكلس والجهالة والجهل وضيق الأفق، المناطق التي استعاضت عن الحاضر باستعادة الماضي اجترارا، واستعاضت عن قراءة المستقبل بقراءة الكف واستحضار العفاريت.

فالأولى وعي بأهمية الاستشراف العلمي للمستقبل وارتياد الآفاق الكبرى الجديدة التي تفتحها الدراسات المستقبلية، والثانية تهميش لدور الدراسات وتعويم للمفاهيم المستقبلية كترجمة للعجز والخوف أمام الآتي المجهول.

إن مناهج التنبؤ الحديثة في العلوم عامة، والعلوم السياسية والأمن القومي خاصة، تدعم صنع القرار، بوضع تحليلات وتقديرات علمية موضوعية، تقود إلى وضع أسس لعمليات التوقع، والتحسب للمستقبل في أبعاده الاقتصادية والسياسية والبيئية والعسكرية والأمنية وغيرها، وذلك في سياق الوعي بأشكال تقديرات المواقف، بالارتكاز على معلومات موثوقة ومحللة، مشفوعة ببدائل ورؤى وتقديرات بعيدة عن التنجيم والتخريف والتأويل، وتكون موثوقة ودقيقة وجاهزة في الوقت المناسب. فالأمن القومي للدول (السياسي والعسكري والاقتصادي) يرتبط ارتباطا جوهريا بدقة المعلومات والتحسبات التي تقوم على الدراسات المستقبلية الموضوعية والدقيقة، التي تؤمن حصانة الدول، والقدرة على إدارة الأزمات. وتخضع عملية تقدير المواقف إلى دورة عمل متكاملة ومعقدة وطويلة، تستلزم عقولا كبيرة ومعرفة واسعة وليس إلى التهريج.

ولكن للأسف، فإن ثقافتنا الثقافة العربية التقليدية، تكاد تكون ضمن الثقافات التي أصابها الإرهاق والترهل، بسبب الغيبوبة العامة، واستشراء الفكر السحري والأسطوري والخرافي في تركيبة لا تزال تعيش على هامش هذا التحول العالمي، نحو علوم المستقبل ومجتمعات المعرفة واقتصاد المعرفة، مشدودة إلى اهتماماتها التقليدية، وحصر مهام الاستشراف المستقبلي في عمل التكنوقراط المهووسين بالأرقام، وحسابات الطرح والجمع والجداول والإحصاء والتحاليل الكمية فقط، من دون فكر وإبداع أو خيال منتج أو قدرة على اقتراح الحلول وابتداع المشروعات العملاقة، للخروج من رق البؤس والعطالة والفوضى، وعدم القدرة على استعادة المستقبل بأيدينا. وهكذا يُرمى الرهان المستقبلي في أسر المحدودية والسطحية وينقص القدرة على التحكم بالمصير وتلمح سيناريوهات الآتي. فإنشاء مراكز للدراسات الاستراتيجية أمر في منتهى الأهمية، ولكنه غير كافٍ لوحده، إن لم نستوعب الحقل الثقافي والفكري، في إلحاحية الهم المستقبلي واقحامه في آليات التفكير والبحث العلمي.

 

صناع الإحباط 

كتيبة صناع الإحباط مجهزة ومسلحة بكافة أشكال الأسلحة. أفرادها لا يعملون ولا يتركون عباد الله يعملون، اختصوا في نشر الإحباط العام والخاص، لأنهم مصابون بعاهة مستديمة تجعلهم غير قادرين على ابتلاع أي شكل من أشكال العمل أو النجاح لأي كان. فلا وجود لإنجاز -مهما كان مهماً- إلا وسفهوه وقللوا من قيمته. ومهما تقدمت لهم الأيادي بالورود، فإنهم لا يرون فوقه إلا الشوك إكليلاً. فأصبحوا بذلك قاصرين عن تحقيق وجودهم إلاّ بوسيلة واحدة، وهي نشر الإحباط والكآبة بين الناس، وتحويل الآخرين إلى مبتئسين. إنهم يمتلكون القدرة على تحويل أي مشهد إنساني مفرح إلى مقبرة، ولا يطمئنون ولا يفرحون إلا إذا غرّد البوم في المكان الذي يحلون به...! تتعكر حالتهم الصحية مع كل هدف خارج مرمى الإحباط. ولا تحلو الدنيا في أعينهم إلا إذا وضعوا كل أنواع العصيّ المعرقلة في كل عجلة تدور إلى الأمام.. فمعهم ليس بوسعك إلا أن تفكر داخل قفصهم، وتتحرك ضمن جدول أعمالهم المصقول في قراطيس الإحباط، وأن تكون طرفا في تشغيل طاحونة الطلاسم.. 

 

لحن جميل...

استلمت مني مفتاح السيارة في خفة. جالت حولها في نصف دقيقة، مدققة في كافة تفاصيل الخدوش، سجلتها في دفتر وردي صغير تحمله في يدها. 

دلفت داخل السيارة في خفة ورشاقة، شغلت المحرك. استمعت إلى ايقاعه، وهزت برأسها، بما يفيد بأنه في حال جيدة. فتحت غطاء المحرك، قفزت من داخل السيارة إلى خارجها، اطلعت وفحصت كل شيء تقريبا، وعادت إلى الدفتر تدون ملاحظاتها، ثم ركبت السيارة مجددا وادخلتها كراج الفحص، سلمت ورقة المتابعة رقيقة معطرة بالياسمين، غادرت مسرح العمليات، لفحص السيارة التالية.

كانت شابة جميلة ظريفة خفيفة رشيقة في كامل أناقتها، وهي تعمل في كراج إحدى وكالات السيارات. تستقبل الزبائن، تودعهم بلطف وظرف وأدب جم، مما لا يثير فيك سوى مشاعر الإعجاب والتقدير. فها هنا امرأة تعمل في مسرح ذكوري، ولكنها تتفوق عليهم، وتلزمهم باحترامها. وتغدق عليهم اللطف والبهجة. 

ذكرني هذا الموقف بما سبق للسيد فوكوياما أن دعا إليه قبل عدة سنوات في إحدى دراساته، عندما تحدث عن ضرورة «تأنيث المستقبل»، معبرًا عن رغبة في أن يصبح مصير العالم بين أيدي النساء، لأنهن يفتقدن إلى الخشونة والعدوانية التي غاليا ما تكون وراء اندلاع الحروب والصراعات! وتأنيث الشؤون الدولية برأيه سيضيـِّق الفرصة أمام الحروب والفتن.

 

همس

ارقد يا صديقي في صمتك الأخير،

فلم يعد من حولك ما يستحق الكلام.

ارقد،

فالزمان لم يعد زمانا، ولا نحن نحن.

الجوهرة الأبدية تذوي كل يوم.

فاصمت،

فلا شيء يدعو ما زال للضحك،

لا الفرح مقيم..

ولا الروض جلله المطر،

ولا فجر بين الليل والنهار.

لا تخلف وعدك بالموت، 

فالطفل السجين في أحلامك قد رحل.

أغمض عينيك وارحل،

لتكن أكثر وسامة 

من الحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا